تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
من المياسر إلى الميامن - تشاءموا . فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر ، استعير لما كان سببا لهما من قدر اللَّه - تعالى - وقسمته - عز وجل - أو من عمل العبد الذي هو سبب الرحمة والنعمة « 1 » . أي قال المكذبون من قوم صالح في الرد عليه : أصابنا الشؤم والنحس بسبب وجودك فينا ، وبسبب المؤمنين الذين استجابوا لدعوتك . حيث أصبنا بالقحط بعد الرخاء والضراء بعد السراء . ولا شك أن قولهم هذا يدل على جهلهم المطبق ، وعلى سوء تفكيرهم ، لأن السراء والضراء من عند اللَّه - تعالى - وحده . ولا صلة لهما بوجود صالح والذين آمنوا معه بينهم ولذا رد عليهم صالح - عليه السلام - بقوله * ( طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّه . . . ) * أي : قال لهم موبخا وزاجرا : ليس الأمر كما زعمتم أن وجودنا بينكم هو السبب فيما أصابكم من شر ، بل الحق أن ما يصيبكم من شر وقحط هو من عند اللَّه ، بسبب أعمالكم السيئة ، وإصراركم على الكفر ، واستحبابكم المعصية على الطاعة . والعقوبة على المغفرة . ثم زاد صالح - عليه السلام - الأمر توضيحا وتبيانا فقال لهم : * ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ . ) * أي قال لهم : ليس ما أصابكم بسببنا . بل أنتم قوم « تفتنون » أي تختبرون وتمتحنون بما يقع عليكم من شر ، حتى تتوبوا إلى خالقكم ، قبل أن ينزل بكم العذاب الماحق ، إذا ما بقيتم على كفركم . فأنت ترى أن صالحا - عليه السلام - قد رد على جهالتهم بأسلوب قوى رصين ، بين لهم فيه ، أن تشاؤمهم في غير محله ، وأن حظهم ومستقبلهم ومصيرهم بيد اللَّه - تعالى - وحده ، وأن ما أصابهم من بلاء وقحط ، إنما هو لون من امتحان اللَّه - تعالى - لهم ، لكي يتنبهوا ويستجيبوا لدعوة الحق ، قبل أن يفاجئهم اللَّه - تعالى - بالعذاب الذي يهلكهم . ولكن هذا النصح الحكيم الذي وجهه صالح إلى المكذبين من قومه ، لم يجد أذنا صاغية منهم ، بل قابله زعماؤهم بالتكبر وبالإصرار على التخلص من صالح - عليه السلام - ومن أهله ، وقد حكى القرآن ذلك في قوله - تعالى - : * ( وكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ ، يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ولا يُصْلِحُونَ . قالُوا : تَقاسَمُوا بِاللَّه ، لَنُبَيِّتَنَّه وأَهْلَه . ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّه ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِه وإِنَّا لَصادِقُونَ . ) *
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 49 ، ص 211 .