تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
والفاء في قوله - تعالى - * ( فَلا تَدْعُ . . ) * فصيحة ، والخطاب للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على سبيل طلب الازدياد من إخلاص العبادة للَّه - تعالى - . أي : إذا علمت - أيها الرسول الكريم - ما أخبرناك به ، فأخلص العبادة لنا ، واحذر أن تعبد مع اللَّه - تعالى - إلها آخر ، فتكون من المعذبين . وخوطب صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بهذه الآية وأمثالها ، مع أنه أخلص الناس في عبادته للَّه - تعالى - ، لبيان أن الشرك أقبح الذنوب وأكبرها وأنه لو انحرف إليه - على سبيل الفرض - أشرف الخلق وأكرمهم عند اللَّه - تعالى - لعذبه - سبحانه - على ذلك ، فكيف يكون حال غيره ممن هم ليسوا في شرفه ومنزلته . لا شك أن عذابهم سيكون أشد ، وعقابهم سيكون أكبر . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن ينذر أقرب الناس إليه ، ليكونوا قدوة لغيرهم . وليعلموا أن قرابتهم للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لن تنجيهم من عذاب اللَّه ، ما استمروا على شركهم ، فقال - تعالى - : * ( وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ . ) * والعشيرة : أهل الرجل الذين يتكثر بهم ، و * ( الأَقْرَبِينَ ) * هم أصحاب القرابة القريبة كالآباء والأبناء والإخوة والأخوات ، والأعمام والعمات وما يشبه ذلك . وقد ذكر المفسرون أحاديث متعددة ، فيما فعله رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بعد نزول هذه الآية ، منها : ما أخرجه الشيخان عن ابن عباس قال : لما أنزل اللَّه - تعالى - هذه الآية : أتى النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم الصفا فصعد عليه ثم نادى : يا صباحاه ، وهي كلمة يقولها المستغيث أو المنذر لقومه - فاجتمع الناس إليه ، بين رجل يجيء إليه ، وبين رجل يبعث رسوله ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلَّم : يا بنى عبد المطلب ، يا بنى فهر ، يا بنى لؤي ، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح الجبل تريد أن تغير عليكم ، أكنتم مصدقي ؟ قالوا : نعم . قال : « فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد » . فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ، أما دعوتنا إلا لهذا ، وأنزل اللَّه : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وتَبَّ « 1 » . قال الآلوسي : ووجه تخصيص عشيرته الأقربين بالذكر مع عموم رسالته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : دفع توهم المحاباة ، وأن الاهتمام بشأنهم أهم ، وأن البداءة تكون بمن يلي ثم من بعده . . « 2 » .
هامش
( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 176 . فقد ساق جملة من الأحاديث في هذا المعنى . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 19 ص 134 .