تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
فإذا ما نزل بساحتهم قالوا - على سبيل التحسر والندم - : هل نحن منظرون . اعلم - أيها الرسول الكريم - أننا حتى لو أمهلناهم وأخرناهم ، ثم جاءهم عذابنا بعد ذلك ، فإن هذا التمتع الذي عاشوا فيه . وذلك التأخير الذي لو شئنا لأجبناهم إليه . . كل ذلك لن ينفعهم بشيء عند حلول عذابنا ، بل عند حلول عذابنا بهم سينسون ما كانوا فيه من متاع ومن نعيم ومن غيره . قال الإمام ابن كثير : وفي الحديث الصحيح : يؤتى بالكافر فيغمس في النار غمسة ثم يقال له : هل رأيت خيرا قط ؟ هل رأيت نعيما قط ؟ فيقول : لا واللَّه يا رب . ويؤتى بأشد الناس بؤسا كان في الدنيا ، فيصبغ في الجنة صبغة ، ثم يقال له : هل رأيت بؤسا قط ؟ فيقول : لا واللَّه يا رب . ولهذا كان عمر بن الخطاب - رضى اللَّه عنه - يتمثل بهذا البيت :
كأنك لم تؤتر من الدهر ليلة إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب « 1 »
ثم بين - سبحانه - سنته التي لا تتخلف فقال : * ( وما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ، ذِكْرى وما كُنَّا ظالِمِينَ . ) * وقوله : * ( ذِكْرى ) * مفعول لأجله ، فيكون المعنى : لقد اقتضت سنتنا وعدالتنا . أننا لا نهلك قرية من القرى الظالم أهلها ، إلا بعد أن نرسل في أهل تلك القرى رسلا منذرين ، لكي يذكروهم بالدين الحق . . وليس من شأننا أن نكون ظالمين لأحد ، بل من شأننا العدالة والإنصاف ، وتقديم النصيحة والإرشاد والإنذار للفاسقين عن أمرنا ، قبل أن ننزل بهم عذابنا . وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا « 2 » . وقوله - سبحانه - : وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا . وما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وأَهْلُها ظالِمُونَ « 3 » . ثم عادت السورة الكريمة إلى تأكيد أن هذا القرآن من عند اللَّه - تعالى - وردت شبهات المشركين بأسلوب منطقي رصين ، قال - تعالى - : * ( وما تَنَزَّلَتْ بِه الشَّياطِينُ . ) * أي : إن هذا القرآن الكريم ، ما تنزلت به الشياطين - كما يزعم مشركو قريش ، حيث
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 174 . ( 2 ) سورة الإسراء الآية 15 . ( 3 ) سورة القصص الآية 59 .