تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
الشافعي - رحمه اللَّه - : أن رجلا واجهه بشيء ، فقال : لو كنت بحيث أنت ، لاحتجت إلى الأدب . وسمع رجل ناسا يتحدثون في الحجر فقال : ما هو بيتي ولا بيتكم . . « 1 » . ثم حكى القرآن الكريم ، ما وصف به إبراهيم خالقه من صفات كريمة تليق بجلاله - سبحانه - فقال : * ( الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ) * أي : أخلص عبادتي لرب العالمين ، الذي أوجدنى بقدرته ، والذي يهديني وحده إلى ما يصلح شأني في دنياي وفي آخرتي . قال الجمل وقوله : * ( الَّذِي خَلَقَنِي ) * يجوز فيه أوجه : النصب على النعت لرب العالمين أو البدل أو عطف البيان . . أو الرفع على الابتداء . وقوله * ( فَهُوَ يَهْدِينِ ) * جملة اسمية في محل رفع خبر له « 2 » . وقوله : * ( والَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ ) * معطوف على ما قبله . أي : وهو - سبحانه - وحده الذي يطعمني ويسقيني من فضله ، ولو شاء لأمسك عنى ذلك . وأضاف المرض إلى نفسه في قوله * ( وإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) * وإن كان الكل من اللَّه - تعالى - تأدبا مع خالقه - عز وجل - وشكرا له - سبحانه - على نعمة الخلق والهداية . والإطعام والإسقاء والشفاء . . والمراد بالإحياء في قوله : * ( والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ) * إعادة الحياة إلى الميت يوم القيامة أي : ومن صفات رب العالمين الذي أخلص له العبادة ، أنه - سبحانه - الذي بقدرته وحده أن يميتني عند حضور أجلى ، ثم يعيدني إلى الحياة مرة أخرى يوم البعث والحساب . وجاء العطف ب * ( ثُمَّ ) * في قوله * ( ثُمَّ يُحْيِينِ ) * لاتساع الأمر بين الإماتة في الدنيا والإحياء في الآخرة . ثم ختم إبراهيم هذه الصفات الكريمة بقوله : * ( والَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) * أي : وهو وحده الذي أطمع أن يغفر لي ذنوبي يوم ألقاه لأنه لا يقدر على ذلك أحد سواه - عز وجل - . وفي هذه الآية أسمى درجات الأدب من إبراهيم مع ربه - سبحانه - ، لأنه يوجه طمعه في المغفرة إليه وحده ، ويستعظم - عليه السلام - ما صدر منه من أمور قد تكون خلاف الأولى ، ويعتبرها خطايا ، هضما لنفسه ، وتعليما للأمة أن تجتنب المعاصي ، وأن تكون منها على حذر وأن تفوض رجاءها إلى اللَّه - تعالى - وحده .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 318 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 282 .