تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
القرآن مادة لسخريتهم وتهكمهم ، من الهجر - بضم الهاء - بمعنى الهذيان والقول الباطل ، ومنه قوله - تعالى - : مُسْتَكْبِرِينَ بِه سامِراً تَهْجُرُونَ « 1 » . وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على التخويف العظيم لمن يهجر القرآن الكريم . فلم يحفظه أو لم يحفظ شيئا منه ، ولم يعمل بما فيه من حلال وحرام ، وأوامر ونواه . . قال بعض العلماء هجر القرآن أنواع : أحدها : هجر سماعه وقراءته . وثانيها : هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه . . وثالثها : هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه . . ورابعها : هجر تدبره وتفهمه . . وكل هذا دخل في هذه الآية ، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( وكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ . . ) * تسلية للرسول صلى اللَّه عليه وسلَّم عما أصابه من قومه ، وتصريح بأن ما أصابه قد أصاب الرسل من قبله ، والبلية إذا عمت هانت . أي : كما جعلنا قومك - أيها الرسول الكريم - يعادونك ويكذبونك ، جعلنا لكل نبي سابق عليك عدوا من المجرمين ، فاصبر - أيها الرسول - كما صبر إخوانك السابقون . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : وكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإِنْسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ، ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوه فَذَرْهُمْ وما يَفْتَرُونَ « 3 » . ثم شفع - سبحانه - هذه التسلية بوعد كريم منه - عز وجل - لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : * ( وكَفى بِرَبِّكَ هادِياً ونَصِيراً ) * . أي : وكفى ربك - أيها الرسول الكريم - هاديا يهدى عباده إلى ما تقتضيه حكمته ومشيئته ، وكفى به - سبحانه - نصيرا لمن يريد أن ينصره على كل من عاداه . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك - وللمرة الخامسة - بعض شبهاتهم وأباطيلهم فقال : * ( وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْه الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً . . . ) * أي : وقال الذين كفروا بالحق الذي جاءهم به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : هلا نزل هذا القرآن على محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم جملة واحدة ، دون أن ينزل مفرقا كما نراه ونسمعه . وقولهم هذا دليل على سوء أدبهم فقد طلبوا ما لا يعنيهم . واقترحوا شيئا لا مدخل لهم فيه ،
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون الآية 67 . ( 2 ) تفسير القاسمي ج 19 ص 4575 ، نقلا عن بدائع الفوائد للإمام ابن القيم . ( 3 ) سورة الأنعام الآية 112 .