أي : والذين كفروا بالحق لما جاءهم : أعمالهم الصالحة في الدنيا التي يتوقعون الخير من ورائها ، تكون بالنسبة لهم يوم القيامة ، كسراب كائن في صحراء واسعة ، « يحسبه الظمآن ماء » .
أي : يظن الشخص الذي اشتد به العطش أنه ماء .
وخص - سبحانه - هذا الحسبان بالظمآن ، مع أن كل من يراه يظنه ماء لأن هذا الذي اشتد به العطش أشد حرصا على طلبه من غيره ، فالتشبيه به أتم وأكمل .
و « حتى » في قوله - سبحانه - : * ( حَتَّى إِذا جاءَه لَمْ يَجِدْه شَيْئاً ) * غاية لمحذوف ، والتقدير : هذا السراب يظنه الظمآن ماء فيسرع نحوه ، حتى إذا ما وصل إليه ، لم يجد ما حسبه ماء وعلق عليه آماله شيئا أصلا ، لا ماء ولا غيره .
فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد شبه ما يعمله الكافرون من أعمال البر في الدنيا ، التي يظنونها نافعة لهم - شبه هذه الأعمال من حيث خيبة أملهم فيها بسراب يحسبه الظمآن ماء ، فيذهب إليه ليروى عطشه ، فإذا ما وصل إليه لم يجده شيئا ، فيخيب أمله ، وتشتد حسرته .
قال الإمام الرازي : فإن قيل : قوله : « حتى إذا جاءه » يدل على كونه شيئا ، وقوله :
« لم يجده شيئا » مناقض له ؟
قلنا : الجواب عنه من وجوه ثلاثة : الأول : المراد معناه أنه لم يجد شيئا نافعا ، كما يقال :
فلان ما عمل شيئا وإن كان قد اجتهد الثاني : حتى إذا جاءه أي : جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا ، فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه . الثالث : الكناية للسراب ، لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء ، وإذا قرب منه رق وانتثر وصار كالهواء ، « 1 » .
وقوله - سبحانه - : * ( ووَجَدَ اللَّه عِنْدَه فَوَفَّاه حِسابَه ) * معطوف على جملة « لم يجده » فهو داخل التشبيه أي : ووجد الظمآن حكم اللَّه - تعالى - وقضاءه فيه عند السراب ، فوفاه - سبحانه - حسابه الذي يستحقه كاملا غير منقوص .
وفي هذه الجملة الكريمة من التصوير المرعب للكافر ما فيها . حيث شبهته بالظمآن الذي ذهب مسرعا ليروى ظمأه مما ظنه ماء فلما وصل إليه لم يجد ماء ، وإنما وجد اللَّه - تعالى - الذي كفر به وجحد وحدانيته - عنده ، فوفاه حسابه الذي يستحقه من العذاب بدلا من وجود الماء الذي أتعب نفسه في السعي إليه .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 290 .