قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين ما ملخصه : هذان مثلان ضربهما اللَّه - تعالى - لنوعى الكفار ، فأما المثال الأول ، فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم ، الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات وليسوا في نفس الأمر على شيء « فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض عن بعد كأنه بحر طام .
وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب - أي الذين يعتقدون الباطل ويزعمون أنه الحق - والمثال الثاني لأصحاب الجهل البسيط ، وهم الأغشام والمقلدون لأئمة الكفر فمثلهم كما قال - تعالى - : « أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ . . » « 1 » .
وبعد أن أورد - سبحانه - هذين المثلين للذين كفروا وأعمالهم ، أتبع ذلك ببيان أن الكون كله يسبح بحمد اللَّه - تعالى - وأن الكون كله في ملكه وقبضته ، فقال - تعالى - :
[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 41 إلى 42 ]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يُسَبِّحُ لَه مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ والطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَه وتَسْبِيحَه واللَّه عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ( 41 ) ولِلَّه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ وإِلَى اللَّه الْمَصِيرُ ( 42 )
والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( أَلَمْ تَرَ . . ) * للتقرير . والرؤية : بمعنى العلم .
والتسبيح : مشتق من السبح ، وهو المر السريع في الماء أو في الهواء . فالمسبح : مسرع في تنزيه اللَّه - تعالى - وتقديسه وإثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال .
والمعنى : لقد علمت أيها الرسول الكريم علما يشبه المشاهدة في اليقين ، أن اللَّه - تعالى - يسبحه ويقدسه وينزهه عن كل ما لا يليق به - عز وجل - جميع من في السماوات ، وجميع من في الأرض .
وقوله - تعالى - : * ( والطَّيْرُ صَافَّاتٍ ) * برفع ، « والطير » على أنه معطوف على « من » وبنصب « صافات » على أنه حال .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 77 .