العباد الذين هداهم اللَّه - سبحانه - إلى ما يحبه ويرضاه ، هؤلاء الرجال الذين يعبدونه ويقدسونه في تلك المساجد التي أمر - سبحانه - بتشييدها وتعظيم قدرها ، وصيانتها من كل سوء أو نجس ، إنهم يسبحونه وينزهونه عن كل نقص ، ويتقربون إليه بالصلوات وبالطاعات . في تلك المساجد في أول النهار وفي آخره ، وفي غير ذلك من الأوقات .
وخص - سبحانه - أوقات الغدو والآصال بالذكر ، لشرفها وكونها أشهر ما تقع فيه العبادات .
وقوله - تعالى - : * ( رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه ) * مدح وتكريم لهؤلاء الرجال .
أي : يسبح للَّه - تعالى - في تلك المساجد بالغدو والآصال ، رجال من شأنهم ومن صفاتهم ، أنهم لا يشغلهم ، « تجارة » مهما عظمت ، « ولا بيع » ، مهما اشتدت حاجتهم إليه « عن ذكر اللَّه » أي : عن تسبيحه وتحميده وتكبيره وتمجيده وطاعته .
ولا تشغلهم - أيضا - هذه التجارات والبيوع عن « إقام الصلاة » في مواقيتها بخشوع وإخلاص ، وعن « إيتاء الزكاة » للمستحقين لها . وذلك لأنهم « يخافون يوما » هائلا شديدا هو يوم القيامة الذي « تتقلب فيه القلوب والأبصار » أي تضطرب فيه القلوب والأبصار فلا تثبت من شدة الهول والفزع .
ثم بين - سبحانه - الأسباب التي حملتهم على الإكثار من هذه الطاعات فقال :
* ( لِيَجْزِيَهُمُ اللَّه أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِه . ) *
أي : إنهم يكثرون من تسبيح اللَّه بالغدو والآصال ، دون أن يشغلهم عن ذلك أي شاغل ، لأنهم يرجون منه - سبحانه - أن يجزيهم أحسن الجزاء على أعمالهم ، وأن يزيدهم من فضله وإحسانه ، بما يليق بكرمه وامتنانه .
« واللَّه » - تعالى - « يرزق من يشاء » أن يرزقه « بغير حساب » أي : بدون حدود ، ولا قيود ، وبدون حصر لما يعطيه ، لأن خزائنه لا تنقص ولا تنفد ، حتى يحتاج إلى عد وحساب لما يخرج منها .
فالجملة الكريمة تذييل قصد به التقرير للزيادة التي يتطلع إليها هؤلاء الرجال الصالحون ، ووعد منه - عز وجل - بأنه سيرزقهم رزقا يزيد عما يتوقعونه .
وبذلك نرى الآيات قد طوفت بنا مع نور اللَّه - عز وجل - ومثلت له بما من شأنه أن يجعل النفوس يشتد استمساكها بالحق الذي جاء به رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من عند ربه ، ومدحت مدحا عظيما أولئك الرجال الأخيار ، الذين يكثرون من طاعة اللَّه - تعالى - في بيوته
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 131
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٣١