تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
وقال ابن عباس : المعنى : اللَّه هادي السماوات والأرض . والأول أعم للمعاني وأصح مع التأويل « 1 » . ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو الذي رجحه الإمام القرطبي فيكون معنى الجملة الكريمة : اللَّه - تعالى - هو نور العالم كله علوية وسفليه ، بمعنى منوره بالمخلوقات التكوينية ، وبالآيات التنزيلية ، وبالرسالات السماوية ، الدالة دلالة واضحة على وجوده - سبحانه - وعلى وحدانيته ، وقدرته ، وسائر صفاته الكريمة ، والهادية إلى الحق ، وإلى ما به صلاح الناس في دنياهم وآخرتهم . قال ابن كثير : « وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إذا قام من الليل يقول : « اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد ، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن » . وقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في دعائه يوم آذاه المشركون من أهل الطائف : « أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن يحل بي غضبك ، أو ينزل بي سخطك ، لك العتبى - أي الرجوع عن الذنب - حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك » « 2 » . وأضاف - سبحانه - نوره إلى السماوات والأرض ، للدلالة على سعة إشراق هذا النور ، وعموم سنائه ، وتمام بهائه في الكون كله . ثم قرب - عز وجل - نوره إلى الأذهان فقال : * ( مَثَلُ نُورِه كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ . . . ) * أي : صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة والسطوع ، كصفة مشكاة - وهي الفتحة الصغيرة في الجدار دون أن تكون نافذة فيه - هذه المشكاة فيها مصباح ، أي : سراج ضخم ثاقب تشع منه الأنوار . وقال - سبحانه - : * ( مَثَلُ نُورِه كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ ) * لأن وجود المصباح في هذه المشكاة يكون أجمع لنوره ، وأحصر لضيائه ، فيبدو قويا متألقا ، بخلاف ما لو كان المصباح في مكان نافذ فإنه لا يكون كذلك . * ( الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ ) * أي : في قنديل من الزجاج الصافي النقي ، الذي يقيه الريح ، ويزيده توهجا وتألقا .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 12 ص 256 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 61 .