تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
ومعنى « تشيع » تنتشر وتكثر ، ومنه قولهم : شاع الحديث . إذا ظهر بين الناس . والفاحشة : هي الصفة البالغة أقصى دركات القبح ، كالرمى بالزنا وما يشبه ذلك . وهي صفة لموصوف محذوف . أي : الخصلة الفاحشة ، والمقصود بمحبة شيوعها : محبة شيوع خبرها بين عامة الناس . والمعنى : إن الذين يحبون أن تنتشر قالة السوء بين صفوف المؤمنين ، وفي شأنهم ، لكي يلحقوا الأذى بهم ، هؤلاء الذين يحبون ذلك « لهم » بسبب نواياهم السيئة « عذاب أليم في الدنيا » كإقامة الحد عليهم ، وازدراء الأخيار لهم ، ولهم - أيضا - عذاب أليم « في الآخرة » وهو أشد وأبقى من عذاب الدنيا . « واللَّه » تعالى وحده « يعلم » ما ظهر وما خفى من الأمور والأحوال « وأنتم » أيها الناس - « لا تعلمون » إلا ما كان ظاهرا منها ، فعاملوا الناس على حسب ظواهرهم ، واتركوا بواطنهم لخالقهم ، فهو - سبحانه - الذي يتولى محاسبتهم عليها . فالآية الكريمة يؤخذ منها : أن العزم على ارتكاب القبيح ، منكر يعاقب عليه صاحبه ، وأن محبة الفجور وشيوع الفواحش في صفوف المؤمنين ، ذنب عظيم يؤدى إلى العذاب الأليم في الدنيا والآخرة ، لأن اللَّه - تعالى - علق الوعيد الشديد في الدارين على محبة انتشار الفاحشة في الذين آمنوا . ثم ذكر - سبحانه - المؤمنين بفضله عليهم مرة أخرى ، لكي يزدادوا اعتبارا واتعاظا فقال * ( ولَوْ لا فَضْلُ اللَّه عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُه وأَنَّ اللَّه رَؤُفٌ رَحِيمٌ . ) * وجواب « لولا » محذوف ، كما أن خبر المبتدأ محذوف ، والتقدير : ولولا فضل اللَّه عليكم ، ورحمته بكم موجودان ، لعاجلكم بالعقوبة . ولكنه - سبحانه - لم يعاجلكم بها ، لأنه شديد الرأفة والرحمة بعباده ، ولو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك عليها من دابة . ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن اتباع خطوات الشيطان ، فقال : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ، ومَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّه يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ . . . ) * والخطوات : جمع خطوة . وهي في الأصل تطلق على ما بين القدمين . والمراد بها هنا : طرقه ومسالكه ووساوسه ، التي منها الإصغاء إلى حديث الإفك ، والخوض فيه . وما يشبه ذلك من الأقوال الباطلة ، والأفعال القبيحة . أي : يا من آمنتم باللَّه حق الإيمان ، احذروا أن تسلكوا المسالك التي يغريكم بسلوكها
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 100 | سيد محمد طنطاوي