تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
وشبيه بهذه الآية في الرد على هؤلاء الكافرين قوله - تعالى - : وما أَمْوالُكُمْ ولا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى . إِلَّا مَنْ آمَنَ وعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ « 1 » . وقوله - سبحانه - : فَذَرْنِي ومَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ . وأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ « 2 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يضيف إلى تهديدهم السابق تهديدا آخر فقال : * ( قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَه الرَّحْمنُ مَدًّا . . ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين المتفاخرين بمساكنهم ومظاهرهم . . قل لهم : من كان منغمسا في الضلالة والشقاوة والغفلة . . فقد اقتضت حكمة اللَّه - تعالى - أن يمد له العطاء كأن يطيل عمره ويوسع رزقه ، على سبيل الاستدراج والإمهال . . فصيغة الطلب وهي قوله - تعالى - : * ( فَلْيَمْدُدْ ) * على هذا التفسير ، المراد بها : الإخبار عن سنة من سنن اللَّه - تعالى - في خلقه ، وهي أن سننه - تعالى - قد اقتضت أن يمهل الضالين ، وأن يزيدهم من العطاء الدنيوي ، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر . قال - تعالى - : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِه فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ . فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والْحَمْدُ لِلَّه رَبِّ الْعالَمِينَ « 3 » . وقال - سبحانه - : ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً ولَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ « 4 » . وقد صدر الآلوسي تفسيره للآية بهذا التفسير فقال ما ملخصه : قوله * ( قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ . . . ) * أمر منه - تعالى - لرسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بأن يجيب على هؤلاء المتفاخرين بما لهم من الحظوظ الدنيوية . . وقوله : * ( فَلْيَمْدُدْ لَه الرَّحْمنُ مَدًّا ) * أي : يمد - سبحانه - له ويمهله بطول العمر ، وإعطاء المال ، والتمكن من التصرفات ، فالطلب في معنى الخبر واختير للإيذان بأن ذلك مما ينبغي أن يفعل بموجب الحكمة لقطع المعاذير فيكون حاصل المعنى : من كان في الضلالة فلا عذر له فقد أمهله الرحمن ومد له مدا وجوز أن يكون ذلك للاستدراج .
هامش
( 1 ) سورة سبأ : الآية 37 . ( 2 ) سورة القلم الآيتان 44 ، 45 . ( 3 ) سورة الأنعام الآيتان 44 ، 45 . ( 4 ) سورة آل عمران الآية 178 .