تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
حق . قالوا للمؤمنين على سبيل الاحتقار لهم : نحن وأنتم أينا خير من الآخر مكانا ، وأحسن مجلسا ومجتمعا فهم يتفاخرون على المؤمنين بمساكنهم الفارهة ، ومجالسهم التي يجتمع فيها أغنياؤهم ووجهاؤهم . قال الجمل في حاشيته : « أي قالوا للمؤمنين : انظروا إلى منازلنا فتروها أحسن من منازلكم وانظروا إلى مجلسنا عند التحدث ومجلسكم ، فترونا نجلس في صدر المجلس ، وأنتم جالسون في طرفه الحقير . فإذا كنا بهذه المثابة وأنتم بتلك فنحن عند اللَّه خير منكم ، ولو كنتم على حق لأكرمكم اللَّه بهذه الأمور كما أكرمنا بها » « 1 » . وما حكاه اللَّه - تعالى - عن هؤلاء الكافرين في هذه الآية ، قد جاء ما يشبهه في آيات أخرى ، ومن ذلك قوله - تعالى - : وقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وأَوْلاداً وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ « 2 » . وقد رد اللَّه - تعالى - على هؤلاء الجاهلين المغرورين بقوله : * ( وكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً ورِءْياً ) * . و * ( كَمْ ) * هنا خبرية ، ومعناها الاخبار عن العدد الكثير وهي في محل نصب على المفعول به لجملة * ( أَهْلَكْنا ) * و * ( مِنْ قَرْنٍ ) * تمييز لها . والقرن : اسم لأهل كل أمة تتقدم في الوجود على غيرها ، مأخوذ من قرن الدابة لتقدمه فيها . والأثاث المتاع للبيت . وقيل : هو الجديد من الفراش ، وقد يطلق على المال بصفة عامة . و * ( رِءْياً ) * أي : منظرا وهيئة ومرأى في العين مأخوذ من الرؤية التي تراها العين . والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين المتباهين بمساكنهم ومجالسهم : لا تفتخروا ولا يغرنكم ما أنتم فيه من نعيم ، فإنما هو نوع من الاستدراج ، فإن اللَّه - تعالى - قد أهلك كثيرا من الأمم السابقة عليكم ، كانوا أحسن منكم متاعا وزينة ، وكانوا أجمل منكم منظرا وهيئة فلم ينفعهم أثاثهم ورياشهم ومظهرهم الحسن ، عندما أراد اللَّه - تعالى - إهلاكهم بسبب كفرهم وجحودهم . فالآية الكريمة تهديد للكافرين المعاصرين للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ورد على أقوالهم الباطلة ، وعنجهيتهم الذميمة إذ لو كانت المظاهر والأمتعة والهيئات الحسنة تنفع أصحابها ، لنفعت أولئك المهلكين من الأمم السابقة .
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 74 . ( 2 ) سورة سبأ الآية 35 .