تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
أي : فوربك لنحضرنهم يوم القيامة للحساب ومعهم شياطينهم ، ثم لنحضرنهم جميعا حول جهنم ، حالة كونهم باركين على الركب ، عجزا منهم عن القيام ، بسبب ما يصيبهم من هول يوم القيامة وشدته . قال - تعالى - : وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ، كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا ، الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ، هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ ، إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ « 1 » . ثم يخص - سبحانه - بالذكر المصير المفزع للمتكبرين من هؤلاء الكافرين فيقول : * ( ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ) * . والنزع : العزل والإخراج . يقال : نزع السلطان عامله ، إذا عزله وأخرجه من عمله ، والشيعة في الأصل : الجماعة من الناس يتعاونون فيما بينهم على أمر من الأمور ، يقال : تشايع القوم ، إذا تعاونوا فيما بينهم . و * ( عِتِيًّا ) * أي : خروجا عن الطاعة والاستجابة للأمر ، يقال : عتا فلان يعتو عتوا - من باب قعد - فهو عات إذا استكبر وجاوز حدوده في العصيان والطغيان . والمعنى : ثم لنستخرجن من كل طائفة تشايعت وتعاهدت على الكفر بالبعث ، والجحود للحق ، الذين هم أشد خروجا عن طاعتنا وامتثال أمرنا فنبدأ بتعذيبهم أولا ، لأنهم أشد من غيرهم في العتو والعناد والجحود والضلال . قال الجمل ما ملخصه : « وأظهر الأعاريب في قوله : * ( أَيُّهُمْ أَشَدُّ ) * أن » أي « موصولة بمعنى الذي . وأن حركتها حركة بناء - أي هي مبنية على الضم - ، وأشد خبر مبتدأ مضمر . والجملة صلة لأي . وأيهم وصلتها في محل نصب مفعولا به لننزعن . وعتيا تمييز محول عن المبتدأ المحذوف الذي هو أشد ، أي : جراءته على الرحمن أشد من جراءة غيره » « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا ) * بيان لشمول علمه - تعالى - بأحوال هؤلاء الجاحدين ، وبأحوال غيرهم . و * ( صِلِيًّا ) * مصدر صلى النار - كرضى - يصلاها صليا - بكسر الصاد وضمها - إذا ذاق حرها ، واكتوى بها . أي : ثم لنحن أعلم من كل أحد سوانا ، بالذين هم أحق بجهنم ، وباصطلاء نارها ، وبالاكتواء بحرها وسعيرها ، لأننا لا يخفى علينا شيء من أحوال خلقنا وسنجازى المتقين بما يستحقون من خير وثواب ، وسنجازى الجاحدين بما يستحقون من إهانة وعذاب .
هامش
( 1 ) سورة الجاثية الآيتان 28 ، 29 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 73 .