تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَه ، قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ « 2 » . قال الإمام ابن كثير : « وفي الحديث الصحيح - الذي يرويه النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عن ربه : « يقول اللَّه - تعالى - كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني ، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني . أما تكذيبه لي فقوله : لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق أهون على من آخره . وأما أذاه إياي فقوله : « إن لي ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد » . ثم عقب - سبحانه - على هذا التوبيخ والتقريع لهذا الإنسان الجاحد ، بقسم منه - سبحانه - على وقوع البعث والنشور ، فقال : * ( فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشَّياطِينَ ، ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ) * . والحشر : الجمع . يقال : حشر القائد جنده ، إذا جمعهم . والمراد بالشياطين : أولئك الأشرار الذين كانوا في الدنيا يوسوسون لهم بإنكار البعث . أي : أقسم لك بذاتى - أيها الرسول الكريم - أن هؤلاء المنكرين للبعث لنجمعنهم جميعا يوم القيامة للحساب والجزاء ، ولنجمعن معهم الشياطين الذين كانوا يضلونهم في الدنيا . قالوا : وفائدة القسم أمران : أحدهما : أن العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين ، والثاني : أن في إقسام اللَّه - تعالى - باسمه ، مضافا إلى الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم رفعا منه لشأنه ، كما رفع من شأن السماوات والأرض في قوله - تعالى - : فَوَ رَبِّ السَّماءِ والأَرْضِ إِنَّه لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ « 3 » . وقوله : * ( ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ) * تصوير حسى بليغ لسوء مصيرهم ، ونكد حالهم . و * ( جِثِيًّا ) * جمع جاث وهو الجالس على ركبتيه . يقال : جثا فلان يجثو ويجثى جثوا وجثيا فهو جاث إذا جلس على ركبتيه ، أو قام على أطراف أصابعه . والعادة عند العرب أنهم إذا كانوا في موقف شديد ، وأمر ضنك جثوا على ركبهم .
هامش
( 1 ) سورة يس الآيتان 78 ، 79 . ( 2 ) سورة الواقعة الآية 62 . ( 3 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 72 .