أي : هذا الذي انقلب على وجهه يدعو من ضره أدنى من نفعه ، أي : في الآخرة ، لأنه بعبادته دخل النار . ولم ير منه نفعا أصلا ، ولكنه قال : ضره أقرب من نفعه ، ترفيعا للكلام ، كقوله - تعالى - : وإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ « 1 » .
ومنها : ما ذكره بعض العلماء من أن الآية الأولى في شأن الذين يعبدون الأصنام ، إذ الأصنام لا تنفع من عبدها ، ولا تضر من كفر بها ، ولذا قال فيها : ما لا يضره وما لا ينفعه ، والقرينة على أن المراد بذلك الأصنام : التعبير بلفظة « ما » في قوله :
* ( ما لا يَضُرُّه وما لا يَنْفَعُه ) * لأن لفظ « ما » يأتي - غالبا - لما لا يعقل . والأصنام لا تعقل .
أما الآية الثانية فهي في شأن من عبد بعض الطغاة من دون اللَّه ، كفرعون القائل لقومه :
« ما علمت لكم من إله غيرى » فإن فرعون وأمثاله من الطغاة المعبودين ، قد يغدقون نعم الدنيا على عابديهم . وهذا النفع الدنيوي بالنسبة لما سيلاقونه من عذاب لا شيء . فضر هذا المعبود بخلود عابده في النار . أقرب من نفعه بعرض قليل زائل من حطام الدنيا .
والقرينة على أن المراد بالمعبود الباطل في الآية الثانية بعض الطغاة الذين هم من جنس العقلاء : هي التعبير « بمن » التي تأتى - غالبا - لمن يعقل ، كما قال - تعالى - : * ( يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّه أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِه . . ) * « 2 » .
ويبدو لنا أن هذا القول الأخير له وجه من القبول .
وبذلك نرى السورة الكريمة قد ساقت لنا نماذج من أحوال الناس في هذه الحياة . لكي يحذرهم المؤمنون ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة .
ثم بينت السورة الكريمة ما أعده اللَّه - تعالى - للمؤمنين الصادقين من حسن الثواب ، بعد أن صرحت بما توعد به - سبحانه - المجادلين فيه بغير علم بسوء العقاب ، فقال - تعالى - :
[ سورة الحج ( 22 ) : آية 14 ]
إِنَّ اللَّه يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ إِنَّ اللَّه يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ( 14 )
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 12 ص 18 .
( 2 ) أضواء البيان ج 5 ص 48 للمرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي .