تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
قال صاحب الكشاف : « على حرف » أي : على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه . وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم : لا على سكون وطمأنينة ، كالذي يكون على طرف من العسكر ، فإن أحس بظفر وغنيمة قر واطمأن ، وإلا فر وطار على وجهه . . . » « 1 » . وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال : كان الرجل يقدم المدينة ، فإذا ولدت امرأته غلاما ، ونتجت خيله . قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ، ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء . . . » « 2 » . والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد صورت المذبذبين في عقيدتهم أكمل تصوير ، فهم يقيسون العقيدة بميزان الصفقات التجارية ، إن ربحوا من ورائها فرحوا ، وإن خسروا فيها أصابهم الغم والحزن . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - في شأن المنافقين : ومِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ « 3 » . والتعبير بقوله - سبحانه - * ( عَلى حَرْفٍ ) * يصور هذا النوع من الناس ، وكأنه يترجح في عبادته كما يترجح من يكون على طرف الشيء . فهو معرض للسقوط في أية لحظة . والمراد من الخير في قوله - تعالى - * ( فَإِنْ أَصابَه خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِه ) * الخير الدنيوي من صحة وغنى ومنافع دنيوية . أي : فإن نزل بهذا المذبذب في عبادته خير دنيوي * ( اطْمَأَنَّ بِه ) * أي : ثبت على ما هو عليه من عبادة ثباتا ظاهريا ، وليس ثباتا قلبيا حقيقيا كما هو شأن المؤمنين الصادقين الذين لا يزحزحهم عن إيمانهم وعد أو وعيد . * ( وإِنْ أَصابَتْه فِتْنَةٌ ) * أي : مصيبة أو شر * ( انْقَلَبَ عَلى وَجْهِه ) * أي : ارتد ورجع عن عبادته ودينه إلى الكفر والمعاصي . وقوله - تعالى - : * ( خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ) * بيان لسوء عاقبة صنيعه . أي : هذا الذي يعبد اللَّه على حرف ، جمع على نفسه خسارتين ، خسارة الدنيا بسبب عدم حصوله على ما يريده منها ، وخسارة الآخرة بسبب ارتداده إلى الكفر وغشيان السيئات ،
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 146 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 17 ص 124 . ( 3 ) سورة التوبة الآية 58 .