* ( ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ) * يشمل الحلال والحرام . . . « 1 » .
وقال الجمل في حاشيته ما ملخصه : وإنما تعجبت مما بشرها به جبريل لأنها عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا بعد الاتصال برجل . فليس في قولها هذا دلالة على أنها لم تعلم أنه - تعالى - قادر على خلق الولد ابتداء . كيف وقد عرفت أن أبا البشر قد خلقه اللَّه - تعالى - من غير أب أو أم . . . » « 2 » .
وقوله - تعالى - : * ( قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ . . . ) * رد من جبريل عليها .
أي : قال الأمر كذلك أي : كما ذكرت من أن بشرا لم يمسسك ومن أنك لم تكوني في يوم من الأيام بغيا . أو الأمر كذلك من أنى أرسلني ربك لأهب لك غلاما زكيا من غير أن يكون له أب .
وقوله * ( قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ) * بيان لمظهر من مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - التي لا يعجزها شيء ، أي : * ( قالَ رَبُّكِ هُوَ ) * أي : خلق ولدك من غير أب * ( عَلَيَّ هَيِّنٌ ) * أي : سهل يسير لأن قدرتنا لا يعجزها شيء .
وقوله - سبحانه - * ( ولِنَجْعَلَه آيَةً لِلنَّاسِ ) * تعليل لمعلل محذوف ، أي : ولنجعل وجود الغلام منك من غير أن يمسك بشر * ( آيَةً ) * عظيمة ، وأمرا عجيبا يدل دلالة واضحة على قدرتنا ، أمام الناس جميعا ، فإن قدرتنا لا يعجزها ذلك ، كما لا يعجزها أن توجد بشرا من غير أب وأم كما فعلنا مع آدم . أو من غير أم كما فعلنا مع حواء ، أو من أب وأم كما فعلنا مع سائر البشر .
وقوله : * ( ورَحْمَةً مِنَّا ) * معطوف على ما قبله ، أي : ولنجعل هذا الغلام الذي وهبناه لك من غير أب رحمة عظيمة منا لمن آمن به ، واتبع دعوته . * ( وكانَ ) * وجود هذا الغلام منك على هذه الكيفية * ( أَمْراً مَقْضِيًّا ) * أي : مقدرا في الأزل مسطورا في اللوح المحفوظ ، ولا بد من وقوعه بدون تغيير أو تبديل .
وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة ، قد حكت لنا جانبا من حالة مريم ومن الحوار الذي جرى بينها وبين جبريل - عليه السلام - الذي تمثل لها في صورة بشر سوى .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد تلك القصة العجيبة ، حكت فيها حالتها عند حملها بعيسى ، وعند ما جاءها المخاض . فقال - تعالى - :
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 11 ص 91 .
( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 56 .