تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
ثم بين - سبحانه - ما أكرمها به في حال خلوتها فقال : فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا . أي : فأرسلنا إليها روحنا وهو جبريل - عليه السلام - فتشبه لها في صورة بشر سوى معتدل الهيئة ، كامل البنية ، كأحسن ما يكون الإنسان . يقال : رجل سوى ، إذا كان تام الخلقة عظيم الخلق ، لا يعيبه في شأن من شؤونه إفراط أو تفريط . والإضافة في قوله رُوحَنا للتشريف والتكريم ، وسمى جبريل - عليه السلام - روحا لمشابهة الروح الحقيقية في أن كلا منهما مادة الحياة للبشر . فجبريل من حيث ما يحمل من الرسالة الإلهية تحيا به القلوب ، والروح تحيا به الأجسام . وإنما تمثل لها جبريل - عليه السلام - في صورة بشر سوى ، لتستأنس بكلامه ، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته ، ولو بدا لها في صورته التي خلقه اللَّه - تعالى - عليها . لنفرت منه ، ولم تستطع مكالمته . وقوله : بَشَراً سَوِيًّا حالان من ضمير الفاعل في قوله فَتَمَثَّلَ لَها . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما دار بين مريم وبين جبريل من حوار ونقاش فقال : قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا . أي : قالت لجبريل - عليه السلام - الذي تمثل لها في صورة بشر سوى : إني أعوذ وألتجئ إلى الرحمن منك ، إن كنت ممن يتقى اللَّه ويخشاه . وخصت الرحمن بالذكر ، لتثير مشاعر التقوى في نفسه ، إذ من شأن الإنسان التقى أن ينتفض وجدانه عند ذكر الرحمن ، وأن يرجع عن كل سوء يخطر بباله . وجواب هذا الشرط محذوف ، أي إن كنت تقيا ، فابتعد عنى واتركني في خلوتي لأتفرغ لعبادة اللَّه - تعالى - . وبهذا القول الذي حكاه القرآن عن مريم . تكون قد جمعت بين الاعتصام بربها ، وبين تخويف من تخاطبه وترهيبه من عذاب اللَّه . إن سولت له نفسه إرادتها بسوء . كما أن قولها هذا ، يدل على أنها قد بلغت أسمى درجات العفة والطهر والبعد عن الريبة ، فهي تقول له هذا القول ، وهي تراه بشرا سويا ، وفي مكان بمعزل عن الناس . . . وهنا يجيبها جبريل - كما حكى القرآن عنه - بقوله : قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا .