تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
هذه الرحمة انتفع بها من استجاب لدعوتها ، أما من أعرض عنها فهو الذي ضيع على نفسه فرصة الانتفاع . ورحم اللَّه صاحب الكشاف فقد وضح هذا المعنى فقال : أرسل صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « رحمة للعالمين » لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه . ومن خالف ولم يتبع ، فإنما آتى من عند نفسه ، حيث ضيع نصيبه منها . ومثاله : أن يفجر اللَّه عينا عذيقة - أي : كبيرة عذبة - ، فيسقى ناس زروعهم ، ومواشيهم بمائها فيفلحوا ، ويبقى ناس مفرطون فيضيعوا . فالعين المفجرة في نفسها نعمة من اللَّه - تعالى - ورحمة للفريقين . ولكن الكسلان محنة على نفسه ، حيث حرمها ما ينفعها » « 1 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يخبر الناس بأن رسالته لحمتها وسداها الدعوة إلى عبادة اللَّه - تعالى - وحده فقال : * ( قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِله واحِدٌ . . ) * أي : قل - يا محمد - للناس : إن الذي أوحاه اللَّه - تعالى - إلىّ من تكاليف وهدايات وعبادات وتشريعات . . تدور كلها حول إثبات وحدانيته - سبحانه - ووجوب إخلاص العبادة له وحده . قال الآلوسي - رحمه اللَّه - : « ذهب جماعة إلى أن في الآية حصرين : الأول : لقصر الصفة على الموصوف . والثاني : لقصر الموصوف على الصفة . فالأول : قصر فيه الوحي على الوحدانية . والثاني : قصر فيه اللَّه - تعالى - على الوحدانية ، والمعنى : ما يوحى إلىّ إلا اختصاص اللَّه بالوحدانية ، ومعنى هذا القصر أنه الأصل الأصيل وما عداه راجع إليه ، أو غير منظور إليه في جانبه . . » « 2 » . والاستفهام في قوله - سبحانه - : * ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) * للتحضيض أي : ما دام الأمر كما ذكر لكم فأسلموا لتسلموا . ثم أرشد - سبحانه - النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى ما يقوله للناس في حال إعراضهم عن دعوته ، فقال : * ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ . . ) * . وآذنتكم : من الإيذان بمعنى الإعلام والإخبار . ومنه الأذان للصلاة بمعنى الإعلام بدخول وقتها .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 138 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 17 ص 106 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 259 | سيد محمد طنطاوي