تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
والقول فيه أن قصد إبراهيم - عليه السلام - لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم ، وإنما قصد تقريره لنفسه ، وإثباته لها على أسلوب تعريضي ، يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم . وهذا كما لو قال لك صاحبك ، وقد كتبت كتابا بخط رشيق - وأنت شهير بحسن الخط - : أأنت كتبت هذا ؟ وصاحبك أمي لا يحسن الخط ، ولا يقدر إلا على خربشة فاسدة - أي كتابة رديئة - فقلت له : بل كتبته أنت ، كان قصدك بهذا الجواب ، تقرير أن هذه الكتابة لك . مع الاستهزاء به . . « 1 » . وهذا التفسير للآية الكريمة من أن إبراهيم - عليه السلام - قد قال لقومه ما قال على سبيل الاستهزاء بهم ، هو الذي تطمئن إليه قلوبنا ، وقد تركنا أقوالا أخرى للمفسرين في معنى الآية ، نظرا لضعف هذه الأقوال بالنسبة لهذا القول . وقوله - سبحانه - : * ( فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ) * بيان للأثر الذي أحدثه رد إبراهيم - عليه السلام - . أي : أنهم بعد أن قال لهم إبراهيم * ( بَلْ فَعَلَه كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ) * ، أخذوا في التفكر والتدبر ، فرجعوا إلى أنفسهم باللوم ، وقال بعضهم لبعض إنكم أنتم الظالمون ، حيث عبدتم مالا يستطيع الدفاع عن نفسه أو حيث تركتم آلهتكم بدون حراسة . ولكن هذا الأثر ، وهذا اللوم لأنفسهم ، لم يلبث إلا قليلا حتى تبدد ، بسبب استيلاء العناد والجحود عليهم ، فقد صور القرآن حالهم بعد ذلك فقال : * ( ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ) * . وقوله : * ( نُكِسُوا ) * فعل مبنى للمجهول من النكس ، وهو قلب الشيء من حال إلى حال ، وأصله : قلب الشيء بحيث يصير أعلاه أسفله . أي : ثم انقلبوا من لومهم لأنفسهم لعبادتهم لما لا يقدر على دفع الأذى عنه ، إلى التصميم على كفرهم وضلالهم ، فقالوا لإبراهيم على سبيل التهديد : لقد علمت أن هذه الأصنام لا تنطق ، فكيف تأمرنا بسؤالها ؟ إن أمرك هذا لنا لهو دليل على أنك تسخر بعقولنا ، ونحن لن نقبل ذلك ، وسننزل بك العقاب الذي تستحقه . وقد شبه القرآن الكريم عودتهم إلى باطلهم وعنادهم ، بعد رجوعهم إلى أنفسهم باللوم ، شبه ذلك بالانتكاس ، لأنهم بمجرد أي خطرت لهم الفكرة السليمة ، أطفأوها بالتصميم على
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 124 .