تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
فالجملة الكريمة تنفى عنهم الانتفاع بما يوجهه الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إليهم من هدايات وعظات . ثم وجه - سبحانه - إليهم سؤالا آخر فقال : * ( أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا . . ) * ؟ . و * ( أَمْ ) * هنا هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة ، فهي مشتملة على معنى الإضراب والإنكار . والمعنى : وسلهم - أيها الرسول الكريم - مرة أخرى : ألهؤلاء الجاحدين آلهة أخرى تستطيع أن تحرسهم وترعاهم سوانا نحن ؟ كلا لبس لهم ذلك . فالجملة الكريمة إضراب عن وصفهم بالإعراض إلى توبيخهم على جهالاتهم بسبب اعتمادهم على آلهة لا تنفع ولا تضر . وقوله : * ( لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ ولا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ ) * نفى على أبلغ وجه لأن تكون هناك آلهة ترعاهم سوى اللَّه - تعالى - أي : كلا . . ليس لهم آلهة تمنعهم من عذابنا إن أردنا إنزاله بهم ، فإن هؤلاء الآلهة لا يستطيعون نصر أنفسهم فضلا عن نصر غيرهم ، ولا هم منا يصحبون ، أي : يجارون ويمنعون من نزول الضر بهم . قال ابن جرير : « وقوله * ( يُصْحَبُونَ ) * بمعنى يجارون ، تقول العرب : أنا لك جار وصاحب من فلان . بمعنى أجيرك وأمنعك منه . وهؤلاء إذا لم يصحبوا بالجوار ، ولم يكن لهم مانع من عذاب اللَّه ، مع سخط اللَّه عليهم ، فلم يصحبوا بخير ولن ينصروا « 1 » . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة أخرى من نعم اللَّه عليهم لم يحسنوا شكرها ، فقال - تعالى - : * ( بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ . . ) * . أي : لا تلتفت - أيها الرسول الكريم - إلى هؤلاء المشركين الذين أعرضوا عن ذكر ربهم ، والذين زعموا أن آلهتهم تضر أو تنفع ، فإننا قد كلأناهم برعايتنا بالليل والنهار ، ومتعناهم وآباءهم من قبلهم بالكثير من متع الحياة الدنيا ، حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة ، فحملهم ذلك على الطغيان والبطر والإصرار على الكفر . وسنأخذهم في الوقت الذي نريده أخذ عزيز مقتدر ، فإن ما أعطيناه لهم من نعم إنما هو على سبيل الاستدراج لهم . ثم يلفت - سبحانه - أنظارهم إلى الواقع المشاهد في هذه الحياة فيقول : * ( أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ ) * .
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 17 ص 23 .