تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
بدون إذنه ، كما هو شأن العبيد الطائعين لسيدهم . وأصل الكلام : لا يسبق قولهم قوله - عز وجل - إلا أنه - سبحانه - أسند السبق إليهم ، تنزيلا لسبق قولهم لقوله ، منزلة سبقهم إياه ، للإشعار بمزيد طاعتهم وتنزيههم عن كل قول بغير إذنه - تعالى - . وقوله : * ( وهُمْ بِأَمْرِه يَعْمَلُونَ ) * بيان لتبعيتهم له - تعالى - في الأعمال إثر بيان تبعيتهم له - سبحانه - في الأقوال . أي : وهم بأمره وحده يعملون لا بأمر أحد سواه ، ولا بأمر أنفسهم ، كما قال - تعالى - في آية أخرى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ والْحِجارَةُ . عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّه ما أَمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ « 1 » . ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر علمه الشامل ، وحكمه النافذ ، فقال * ( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ . . ) * أي : يعلم - سبحانه - أحوالهم كلها صغيرها وكبيرها ، متقدمها ومتأخرها ، * ( ولا يَشْفَعُونَ ) * لأحد من خلقه إلا لمن ارتضى اللَّه - تعالى - شفاعتهم له . * ( وهُمْ مِنْ خَشْيَتِه مُشْفِقُونَ ) * أي : وهم لخوفهم من اللَّه ومن عقابه حذرون وجلون . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد وصف الملائكة في هذه الآيات بجملة من الصفات الكريمة التي تدل على طاعتهم المطلقة للَّه - تعالى - وعلى إكرامه - سبحانه - لهم . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنهم مع كرامتهم عند اللَّه - تعالى - لو ادعى أحد منهم - على سبيل الفرض - أنه إله ، لعاقبه اللَّه عقابا شديدا ، فقال - تعالى - : * ( ومَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِله مِنْ دُونِه ، فَذلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّمَ ، كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) * . أي : ومن يقل من الملائكة - على سبيل الفرض والتقدير - * ( إِنِّي إِله مِنْ دُونِه ) * أي : من دون اللَّه - عز وجل - « فذلك » الذي ادعى هذا الادعاء الكاذب « نجزيه جهنم » أي : نجعل جزاءه الإلقاء في جهنم كسائر المجرمين الكاذبين ، ولا يغنى عنه ما سبق له من طاعة وتكريم * ( كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) * أي : مثل هذا الجزاء الرادع الفظيع نجزى كل ظالم يضع الأمور في غير موضعها ، إذ أن حقوق اللَّه - تعالى - لا يجوز لأحد - كائنا من كان - أن ينسبها لنفسه ، سواء أكان ملكا مقربا ، أم نبيا مرسلا . وبعد أن ساق - سبحانه - ألوانا من الأدلة الكونية الشاهدة بوحدانيته ، ومن الأدلة
هامش
( 1 ) سورة التحريم آية 6 .