تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
العبادة والطاعة ؟ ولا شك أنهم لا برهان لهم على ذلك . وقوله - تعالى - : * ( هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ) * زيادة في تبكيتهم وفي إظهار عجزهم ، أي : هذا الوحي الإلهى الناطق بتوحيد اللَّه - تعالى - موجود في القرآن الكريم المشتمل على ذكر المعاصرين لي من أتباعى ، وموجود في كتب الأنبياء السابقين ، كالتوراة التي أنزلها اللَّه على موسى ، والإنجيل الذي أنزله على عيسى ، فمن أين أتيتم أنتم بهؤلاء الشركاء ، وكيف اتخذتموهم آلهة مع أنهم لا برهان عليهم لا من جهة العقل ولا من جهة النقل ؟ فاسم الإشارة * ( هذا ) * في قوله : * ( هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ ) * مبتدأ ، مشار به إلى الوحي الإلهى ، وقد أخبر عنه - سبحانه - بخبرين - كما يقول الشيخ الجمل - : « فبالنظر للخبر الأول يراد به القرآن ، وبالنظر للخبر الثاني يراد به ما عداه من الكتب السماوية » « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ) * إضراب من جهته - تعالى - عن مناقشتهم ومطالبتهم بالبرهان ، وانتقال من الأمر بتبكيتهم إلى الأمر بإهمالهم استصغارا لشأنهم . أي : دعهم - أيها الرسول الكريم - في باطلهم يعمهون فإنهم قوم أكثرهم يجهلون الحق ، ولا يستطيعون التمييز بينه وبين الباطل . فهم لأجل ذلك منصرفون عن الهدى ، ومتجهون إلى الضلال ، ومن جهل شيئا عاداه . ثم بين - سبحانه - أن جميع الرسل - عليهم الصلاة والسلام - قد أمروا أقوامهم بإخلاص العبادة للَّه ، ونبذ الشرك والشركاء ، فقال - تعالى - : * ( وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْه أَنَّه لا إِله إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) * . أي : وما أرسلنا من قبلك من رسول يا محمد إلا وأ فهمناه عن طريق وحينا أنه لا إله يستحق العبادة والطاعة إلا أنا ، فعليه أن يأمر قومه بطاعتي وعبادتي والخضوع لي وحدي . هذا ، والمتدبر لهذه الآيات الكريمة ، يراها قد أقامت أحكم الأدلة العقلية والنقلية على وجوب إخلاص العبادة للَّه الواحد القهار . وعلى أن الذين يتخذون معه آلهة أخرى سفهاء جاهلون . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك شبهة من الشبهات الباطلة التي تفوه بها المشركون ، ورد عليهم ردا مفحما ، فقال - تعالى - :
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 124 .