تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
قال قتادة قوله * ( كانَتا رَتْقاً ) * يعنى أنهما كانا شيئا واحدا ففصل اللَّه بينهما بالهواء « 1 » . ومنهم من يرى أن معنى « كانتا رتقا » أن السماوات السبع كانت متلاصقة بعضها ببعض ففتقها اللَّه - تعالى - بأن جعلها سبع سماوات منفصلة ، والأرضون كانت كذلك رتقا ، ففصل اللَّه - تعالى - بينها وجعلها سبعا . قال مجاهد : كانت السماوات طبقة واحدة مؤتلفة ، ففتقها فجعلها سبع سماوات ، وكذلك الأرضين كانت طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبعا « 2 » . وقد رجح بعض العلماء المعنى الأول فقال ما ملخصه : كونهما « كانتا رتقا » بمعنى أن السماء لا ينزل منها مطر ، والأرض لا تنبت ، ففتق - سبحانه - السماء بالمطر والأرض بالنبات ، هو الراجح وتدل عليه قرائن من كتاب اللَّه - تعالى - منها : أن قوله - تعالى - : * ( أَولَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا . . ) * يدل على أنهم رأوا ذلك لأن الأظهر في رأى أنها بصرية ، والذي يرونه بأبصارهم هو أن السماء تكون لا ينزل منها مطر ، والأرض لا نبات فيها . فيشاهدون بأبصارهم نزول المطر من السماء ، وخروج النبات من الأرض . ومنها : أنه - سبحانه - أتبع ذلك بقوله : * ( وجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) * والظاهر اتصال هذا الكلام بما قبله . أي : وجعلنا من الماء الذي أنزلناه بفتقنا السماء ، وأنبتنا به أنواع النبات بفتقنا الأرض ، كل شيء حي . ومنها : أن هذا المعنى جاء موضحا في آيات أخرى ، كقوله - تعالى - : والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ . والأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ والمراد بالرجع : نزول المطر من السماء تارة بعد أخرى ، والمراد بالصدع : انشقاق الأرض عن النبات . واختار هذا القول ابن جرير وابن عطية والفخر الرازي . فإن قيل : هذا الوجه مرجوح ، لأن المطر لا ينزل من السماوات ، بل من سماء واحدة وهي سماء الدنيا ؟ قلنا : إنما أطلق عليه لفظ الجمع ، لأن كل قطعة فيها سماء كما يقال : ثوب أخلاق - أي : قطع « 3 » . والآية الكريمة مسوقة لتجهيل المشركين وتوبيخهم على كفرهم ، مع أنهم يشاهدون بأعينهم ما يدل دلالة واضحة على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته ، ويعلمون أن من كان كذلك ،
هامش
( 1 ) ، ( 2 ) تفسير القرطبي ج 11 ص 283 . ( 3 ) راجع تفسير أضواء البيان ج 4 ص 562 للشيخ محمد الأمين الشنقيطي .