تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
أي : فاجعل لهم طريقا في البحر يابسا ، فالضرب هنا بمعنى الجعل كما في قولهم : ضرب له في ماله سهما . إذا جعل له سهما . والمراد بالطريق جنسه فإن الطرق التي حدثت بعد أن ضرب موسى بعصاه البحر . كانت اثنى عشر طريقا بعدد أسباط بني إسرائيل . وعبر - سبحانه - عن بني إسرائيل الذين خرجوا مع موسى بعنوان العبودية للَّه - تعالى - للإشعار بعطفه - عز وجل - عليهم ورحمته بهم ، وللتنبيه على طغيان فرعون حيث استعبد واستذل عبادا للخالق - سبحانه - وجعلهم عبيدا له . . قال الجمل : « وقوله * ( يَبَساً ) * صفة لقوله * ( طَرِيقاً ) * وصف به لما يؤول إليه ، لأنه لم يكن يبسا بعد . وإنما مرت عليه الصبا فجففته . وقيل : هو في الأصل مصدر وصف به للمبالغة ، أو على حذف مضاف ، أو جمع يابس كخادم وخدم وصف به الواحد مبالغة » « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( لا تَخافُ دَرَكاً ولا تَخْشى ) * تذييل قصد به تثبيت فؤاد موسى - عليه السلام - وإدخال الطمأنينة على قلبه . والدرك : اسم مصدر بمعنى الإدراك . والجملة في محل نصب على الحال من فاعل « اضرب » . أي : اضرب لهم طريقا في البحر يابسا ، حالة كونك غير خائف من أن يدركك فرعون وجنوده من الخلف ، وغير وجل من أن يغرقكم البحر من أمامكم . فالآية الكريمة قد اشتملت على كل ما من شأنه أن يغرس الأمان والاطمئنان في قلب موسى ومن معه . ثم بين - سبحانه - موقف فرعون بعد أن علم بأن موسى قد خرج بقومه من مصر فقال - تعالى - : * ( فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِه فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ) * . أي : وبعد أن علم فرعون بخروج موسى وبنى إسرائيل من مصر ، جمع جنوده وأسرع في طلب موسى ومن معه ، فكانت نتيجة ذلك ، أن أغرق اللَّه - تعالى - فرعون وجنوده في البحر . وأهلكهم عن آخرهم . . . والتعبير بالاسم المبهم الذي هو الموصول في قوله * ( فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ) * يدل على تعظيم ما غشيهم وتهويله ، أي : فعلاهم وغمرهم من ماء البحر ما لا يعلم كنهه إلا اللَّه - تعالى - بحيث صاروا جميعا في طيات أمواجه .
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 103 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 132 | سيد محمد طنطاوي