فمنهم من قال - كما روى عن قتادة - : إن كان ما جاءنا به موسى سحرا فسنغلبه ، وإن كان من عند اللَّه فسيكون له أمر .
ومنهم من قال بعد أن سمع كلام موسى : ما هذا بقول ساحر .
ومنهم من أخذ في حض زملائه المترددين على منازلة موسى - عليه السلام - ، لأنه جاء هو وأخوه لتغيير عقائد الناس ولاكتساب الجاه والسلطان ، ولسلب المنافع التي تأتى لهم أي للسحرة عن طريق السحر . .
ويبدو أن هذا الفريق الأخير هو الذي استطاع أن ينتصر على غيره من السحرة في النهاية ، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما ، ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ) * .
فهاتان الآيتان تشيران إلى خوف السحرة من موسى وهارون ، وإلى أنهم بذلوا أقصى جهدهم في تجميع صفوفهم ، وفي تشجيع بعضهم لبعض ، حتى لا يستلب موسى - عليه السلام - منهم جاههم وسلطانهم ومنافعهم . . .
أي : قال السحرة بعضهم لبعض بطريق التناجي والإسرار ، ما استقر عليه رأيهم ، من أن موسى وهارون ساحران * ( يُرِيدانِ ) * عن طريق سحرهما أن يخرجا السحرة من أرضهم مصر : ليستوليا هما وأتباعهما عليها .
ويريدان كذلك أن يذهبا بطريقتكم المثلى . أي بمذهبكم ودينكم الذي هو أمثل المذاهب وأفضلها ، وبملككم الذي أنتم فيه ، وبعيشكم الذي تنعمون به .
فالمثلى : مؤنث أمثل بمعنى أشرف وأفضل . وإنما أنث باعتبار التعبير بالطريقة . هذا ، وهناك قراءات في قوله تعالى : * ( إِنْ هذانِ لَساحِرانِ ) * ذكرها الإمام القرطبي .
فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - : * ( إِنْ هذانِ لَساحِرانِ ) * قرأ أبو عمرو : إن هذين لساحران ورويت - هذه القراءة - عن عثمان وعائشة وغيرهما من الصحابة . . .
وقرأ الزهري والخليل ابن أحمد وعاصم في رواية حفص عنه * ( إِنْ هذانِ لَساحِرانِ ) * بتخفيف * ( إِنْ ) * . . . وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراب ، ويكون معناها : ما هذان إلا ساحران .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 122
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٢٢