وأصله من الاستواء . يقال : مكان سوى وسواء . أي : عدل ووسط ، بحيث يستوي طرفاه بالنسبة للفريقين .
أي : قال فرعون لموسى مهددا ومتوعدا : أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى ، واللَّه لنأتينك بسحر مثل سحرك ، فاجعل بيننا وبينك موعدا للمباراة والمنازلة ، لا نخلف نحن ولا أنت هذا الموعد ، وأن يكون مكان منازلتنا لك في مكان يتوسط المدينة ، بحيث يستطيع جميع سكانها أن يحضروا إليه .
والمتأمل في الآية الكريمة يرى أن فرعون قد قال ما قال لموسى وهو كأنه قد جمع أطراف النصر بين يديه .
ويشهد لذلك : تصديره كلامه بالقسم * ( فَلَنَأْتِيَنَّكَ . . ) * وتركه لموسى اختيار الموعد الذي يناسبه * ( فَاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِداً ) * واشتراطه عدم الخلف في الوعد * ( لا نُخْلِفُه نَحْنُ ولا أَنْتَ ) * واقتراحه أن يكون مكان المبارزة في وسط المدينة ، حتى يراها جميع الناس * ( مَكاناً سُوىً ) * .
ولقد حكى القرآن أن موسى - عليه السلام - قد قبل تحدى فرعون ، ورد عليه يقول :
* ( قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ) * .
والمراد بيوم الزينة : يوم كانوا يتزينون فيه ، ويجتمعون فيه ، لأنه يوم عيد لهم .
قيل إنه كان يوم عاشوراء ، وقيل يوم النيروز . . .
أي : قال موسى لفرعون : موعد المنازلة بيني وبينكم هو يوم زينتكم وعيدكم ، وفي هذا اليوم أطلب منكم أن يجمع الناس جميعا في وقت الضحى عند ارتفاع الشمس ، لكي يشهدوا ما سيكون بيني وبين سحرتك يا فرعون .
وبذلك نرى أن موسى - عليه السلام - قد قابل تهديد فرعون له ، بتهديد أشد وأعظم ، فقد طلب منه أن يكون موعد المبارزة يوم العيد ، كما طلب منه - أيضا - أن يجمع الناس في وقت الضحى لكي يشاهدوا تلك المباراة .
قال صاحب الكشاف : وإنما واعدهم موسى ذلك اليوم ، ليكون علو كلمة اللَّه ، وظهور دينه ، وكبت الكافر ، وزهوق الباطل على رؤس الأشهاد وفي المجمع الغاص لتقوى رغبة من رغب في اتباع الحق ، ويكل حد المبطلين وأشياعهم ، ويكثر الحديث بذلك في كل بدو وحضر ، ويشيع في جميع . أهل الوبر والمدر « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 71 .