- تعالى - أمره بذلك كونا وقدرا . . « 1 » .
وقوله * ( يَأْخُذْه ) * مجزوم في جواب الطلب وهو قوله * ( فَلْيُلْقِه . . . ) * إذ أنه على الوجه الأول يكون الطلب باعتبار لفظه وصيغته .
وقوله - سبحانه - * ( وأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) * بيان للمنة الثانية .
قال الآلوسي : وكلمة « منى » متعلقة بمحذوف وقع صفة لمحذوف ، مؤكدة لما في تنكيرها من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية . أي : وألقيت عليك محبة عظيمة كائنة منى - لا من غيرى - قد زرعتها في القلوب ، فكل من رآك أحبك « 2 » .
ولقد كان من آثار هذه المحبة : عطف امرأة فرعون عليه ، وطلبها منه عدم قتله ، وطلبها منه كذلك أن يتخذه ولدا .
وكان من آثار هذه المحبة أن يعيش موسى في صغره معززا مكرما في بيت فرعون مع أنه في المستقبل سيكون عدوا له .
وهكذا رعاية اللَّه - تعالى - ومحبته لموسى جعلته يعيش بين قوى الشر والطغيان آمنا مطمئنا .
قال ابن عباس : أحب اللَّه - تعالى - موسى ، وحببه إلى خلقه .
وقوله - تعالى - : * ( ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ) * بيان للمنة الثالثة . . .
أي : أوحيت إلى أمك بما أوحيت من أجل مصلحتك ومنفعتك وألقيت عليك محبة منى ، ليحبك الناس ، ولتصنع على عيني . أي : ولتربى وأنت محاط بالحنو والشفقة تحت رعايتى وعنايتي وعيني ، كما يراعى الإنسان بعينه من يحبه ويهتم بأمره .
وهذا ما حدث لموسى فعلا ، فقد عاش في طفولته تحت عين فرعون ، وهو عدو للَّه - تعالى - ومع ذلك لم تستطع عين فرعون أن تمتد بسوء إلى موسى ، لأن عين اللَّه - تعالى - كانت ترعاه وتحميه من بطش فرعون وشيعته .
فالجملة الكريمة فيها من الرفق بموسى - عليه السلام - ومن الرعاية له ، ما يعجز القلم عن وصفه .
وكيف يستطيع القلم وصف حال إنسان قال اللَّه في شأنه : * ( ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ) * .
قال صاحب الكشاف : أي : ولتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الرجل
هامش
( 1 ) أضواء البيان ج 5 ص 406 .
( 2 ) تفسير الآلوسي ج 16 ص 189 .