وهكذا الإيمان الحق ، يجعل المؤمن يعتز بعقيدته ، ويتجه إلى اللَّه وحده الذي تعنو له الجباه ، ويرجو منه وحده ما هو خير من بساتين الدنيا وزينتها .
ثم يختتم - سبحانه - هذه القصة ببيان العاقبة السيئة التي حلت بذلك الرجل الجاحد المغرور صاحب الجنتين فيقول .
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 42 إلى 44 ]
وأُحِيطَ بِثَمَرِه فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْه عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ( 42 ) ولَمْ تَكُنْ لَه فِئَةٌ يَنْصُرُونَه مِنْ دُونِ اللَّه وما كانَ مُنْتَصِراً ( 43 ) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّه الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وخَيْرٌ عُقْباً ( 44 )
أي : وكانت نتيجة جحود صاحب الجنتين لنعم ربه ، أن أهلكت أمواله وأبيدت كلها .
فصار يقلب كفيه ظهرا لبطن أسفا وندما ، على ما أنفق في عمارتها وتزيينها من أموال كثيرة ضاعت هباء ، ومن جهد كبير ذهب سدى .
وقوله - سبحانه - : * ( وأُحِيطَ بِثَمَرِه ) * معطوف على مقدر محذوف لدلالة السباق والسياق عليه .
وأصل الإحاطة مأخوذة من إحاطة العدو بعدوه من جميع جوانبه لإهلاكه واستئصاله .
والمعنى : فحدث ما توقعه الرجل الصالح من إرسال الحسبان على بستان صاحبه الجاحد المغرور « وأحيط بثمره » بأن هلكت أمواله وثماره كلها .
وجاء الفعل « أحيط » مبنيا للمجهول ، للإشعار بأن فاعله متيقن وهو العذاب الذي أرسله اللَّه - تعالى - أي : وأحاط العذاب بجنته .
وقوله : * ( فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْه عَلى ما أَنْفَقَ فِيها ) * تصوير بديع لما اعتراه من غم وهم وحسرة وندامة . وتقليب اليدين عبارة عن ضرب إحداهما على الأخرى ، أو أن يبدي ظهرهما ثم بطنهما ويفعل ذلك مرارا ، وأيّا ما كان ففعله هذا كناية عن الحسرة الشديدة ، والندم العظيم .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 521
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٥٢١