تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
وشبه - سبحانه - الحياة الدنيا بماء السماء دون ماء الأرض ، لأن ماء السماء وهو المطر لا تأثير لكسب العبد فيه بزيادة أو نقص - بخلاف ماء الأرض - فكان تشبيه الحياة به أنسب . وقوله : * ( مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ والأَنْعامُ ) * معناه : وهذا النبات الذي نما وازدهر بسبب نزول المطر من السماء ، بعضه مما يأكله الناس كالبقول والفواكه . وبعضه مما تأكله الأنعام كالحشائش والأعشاب المختلفة . وجملة * ( مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ والأَنْعامُ ) * حال من النبات . وقوله : * ( حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ . . ) * تصوير بديع لما صارت عليه الأرض بعد نزول الماء عليها ، وبعد أن أنبتت من كل زوج بهيج . ولفظ * ( حَتَّى ) * غاية لمحذوف : أي نزل المطر من السماء فاهتزت الأرض وربت وأنبتت النبات الذي ما زال ينمو ويزدهر حتى أخذت الأرض زخرفها . والزخرف : الذهب وكمال حسن الشيء . ومن القول أحسنه ، ومن الأرض ألوان نباتها . أي : حتى إذا استوفت الأرض حسنها وبهاءها وجمالها ، وازينت بمختلف أنواع النباتات ذات المناظر البديعة ، والألوان المتعددة . قال صاحب الكشاف : « وهو كلام فصيح . جعلت الأرض آخذة زخرفها وزينتها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها ، وتزينت بغيرها من ألوان الزينة ، أصل ازينت تزينت » « 1 » . وقوله : * ( وظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها ) * أي : وظن أهل تلك الأرض الزاخرة بالنباتات النافعة . أنهم قادرون على قطف ثمارها ، ومتمكنون من التمتع بخيراتها ، ومن الانتفاع بغلاتها . وقوله : * ( أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً . . ) * تصوير معجز لما أصاب زرعها من هلاك بعد نضرته واستوائه و * ( أَوْ ) * للتنويع أي : تارة يأتي ليلا وتارة يأتي نهارا . والجملة الكريمة جواب إذا في قوله * ( حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَها . . ) * . أي : بعد أن بلغت الأرض الذروة في الجمال وفي تعلق الآمال بمنافع زروعها ، أتاها قضاؤنا
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 323 .