تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
واعلموا أن هذا البغي إنما تتمتعون به متاع الحياة الدنيا التي لا بقاء لها ، وإنما هي إلى زوال وفناء . واعلموا كذلك أن مردكم إلينا بعد هذا التمتع الفاني . فنخبركم يوم الدين بكل أعمالكم ، وسنجازيكم عليها بالجزاء الذي تستحقونه . وقوله : * ( إِنَّما بَغْيُكُمْ ) * مبتدأ وخبره * ( عَلى أَنْفُسِكُمْ ) * أي هو عليكم في الحقيقة لا على الذين تبغون عليهم . وقوله : * ( مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) * : قرأ حفص عن عاصم * ( مَتاعَ ) * بفتح العين على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر . أي : تتمتعون به متاع الحياة الدنيا الزائلة الفانية . وقرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير : هو متاع الحياة الدنيا . وقوله : * ( ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * تذييل قصد به تهديدهم على بغيهم ، ووعيدهم عليه بسوء المصير حتى يرتدعوا وينزجروا . هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتي : 1 - أن من الواجب على العاقل أن يكثر من ذكر اللَّه في حالتي الشدة والرخاء ، وأن لا يكون ممن يدعون اللَّه عند الضر وينسونه عند العافية ، ففي الحديث الشريف : « تعرف إلى اللَّه في الرخاء يعرفك في الشدة » . 2 - ان الناس جبلوا على الرجوع إل اللَّه وحده عند المصائب والمحن ، وفي ذلك يقول الآلوسي : « روى أبو داود والنسائي وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال : لما كان يوم الفتح فر عكرمة بن أبي جهل فركب البحر فأصابتهم ريح عاصف ، فقال أصحاب السفينة لركابها : أخلصوا فإن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئا . فقال عكرمة : لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ، ما ينجيني في البر غيره . اللهم إن لك عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتى محمدا حتى أضع يدي في يده ، فلأجدنه عفوا كريما . قال : فجاء فأسلم . وفي رواية ابن سعد عن أبي مليكه : أن عكرمة لما ركب السفينة وأخذتهم الريح فجعلوا يدعون اللَّه - تعالى - ويوحدونه فقال : ما هذا ؟ فقالوا : هذا مكان لا ينفع فيه إلا اللَّه - تعالى - . قال : « فهذا ما يدعونا إليه محمد صلى اللَّه عليه وسلم فارجعوا بنا » . فرجع وأسلم . . . » « 1 » . وقال الفخر الرازي : « يحكى أن واحدا قال لجعفر الصادق : اذكر لي دليلا على إثبات
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 11 ص 97 .