تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
قال الآلوسي : قوله - تعالى - : * ( قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ ) * مجاراة لأول مقالتهم * ( إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) * كما تقولون ، وهذا كالقول بالموجب ، لأن فيه إطماعا في الموافقة ، ثم كروا على قولهم بالإبطال فقالوا : * ( ولكِنَّ اللَّه يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه ) * . أي : إنما اختصنا اللَّه - تعالى - بالرسالة بفضل منه وامتنان ، والبشرية غير مانعة لمشيئته - جل وعلا - . وفيه دليل على أن الرسالة عطائية ، وأن ترجيح بعض الجائز على بعض بمشيئته - تعالى - ولا يخفى ما في العدول عن « ولكن اللَّه منّ علينا » ، إلى ما في النظم الجليل منهم - عليهم السلام - « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( وما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه ) * حكاية لرد الرسل على قول المكذبين لهم * ( فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) * . أي : وقال الرسل للمكذبين من أقوامهم - أيضا - : وما صح وما استقام لنا نحن الرسل أن نأتيكم - أيها الضالون - بحجة من الحجج ، أو بخارق من الخوارق التي تقترحونها علينا ، إلا بإذن اللَّه وإرادته وأمره لنا بالإتيان بما اقترحتم ، فنحن عباده ولا نتصرف إلا بإذنه . ثم أكد الرسل تمسكهم بالمضي في دعوتهم فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - * ( وعَلَى اللَّه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) * . والتوكل على اللَّه معناه : الاعتماد عليه ، وتفويض الأمور إليه ، مع مباشرة الأسباب التي أمر - سبحانه - بمباشرتها . أي : وعلى اللَّه وحده دون أحد سواه ، فليتوكل المؤمنون ، الصادقون ، دون أن يعبئوا بعنادكم ولجاجكم ، ونحن الرسل على رأس هؤلاء المؤمنين الصادقين . فالجملة الكريمة أمر من الرسل لمن آمن من قومهم بالتوكل على اللَّه وحده ، وقد قصدوا بهذا الأمر أنفسهم قصدا أوليا ، بدليل قولهم بعد ذلك - كما حكى القرآن عنهم - * ( وما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّه وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ) * . أي : وما عذرنا إن تركنا التوكل على اللَّه - تعالى - والحال أنه - عز وجل - قد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه ، فقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها ، وهي طريق إخلاص العبادة له والاعتماد عليه وحده في كل شئوننا .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 13 ص 177 .