فقوله - سبحانه - : * ( وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا ، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا . . . ) * حكاية لما هدد به رؤس الكفر رسلهم ، بعد أن أفحمهم الرسل بالحجة البالغة ، وبالمنطق الحكيم .
واللام في « لنخرجنكم » هي الموطئة للقسم . و « أو » للتخيير بين الأمرين .
أي : وقال الذين عتوا في الكفر - على سبيل التهديد - لرسلهم ، الذين جاؤوا لهدايتهم ، واللَّه لنخرجنكم - أيها الرسل - من أرضنا ، أو لتعودن في ديننا وملتنا .
قال الإمام الرازي : « اعلم أنه - تعالى - لما حكى عن الأنبياء - عليهم السلام - أنهم قد اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه ، والاعتماد على حفظه وحياطته ، حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة وقالوا للأنبياء واللَّه لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا » .
والمعنى : ليكونن أحد الأمرين لا محالة ، إما إخراجكم وإما عودكم إلى ملتنا .
والسبب فيه أن أهل الحق في كل زمان يكونون قليلين . وأهل الباطل يكونون كثيرين والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين ، فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة « 1 » .
والتعبير بقوله - سبحانه - * ( أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) * يفيد بظاهره أن الرسل كانوا على ملة الكافرين ثم تركوها ، فإن العود معناه : الرجوع إلى الشيء بعد مفارقته . وهذا محال ، فإن الأنبياء معصومون - حتى قبل النبوة - عن ارتكاب الكبائر ، فضلا عن الشرك .
وقد أجيب عن ذلك بإجابات منها :
أن الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسل ، إلا أن المقصود به أتباعهم المؤمنون ، الذين
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 99 .