تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
يقول : إن الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه ، فإن اللَّه - تعالى - سيمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله . كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه الماء ، وكخبث هذه الأجسام ، فإنه وإن علا عليها فإن الكير يقذفه ويدفعه ، فهذا مثل الباطل . وأما الماء الذي ينفع الناس وينبت المراعى فيمكث في الأرض ، وكذلك الصافي من هذه الأجسام فإنه يبقى خالصا لا شوب فيه ، وهو مثل الحق . وقال الزجاج : فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان كمثل هذا الماء المنتفع به في نبات الأرض وحياة كل شيء ، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر لأنها كلها تبقى منتفعا بها . ومثل الكافر وكفره كمثل الزبد الذي يذهب جفاء ، وكمثل خبث الحديد وما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذي لا ينتفع به » « 1 » . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك عاقبة أهل الحق ، وعاقبة أهل الباطل فقال - تعالى - : * ( لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى ، والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَه لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ومِثْلَه مَعَه لَافْتَدَوْا بِه . . . ) * . أي : للمؤمنين الصادقين ، الذين أطاعوا ربهم في كل ما أمرهم به أو نهاهم عنه ، المثوبة الحسنى ، وهي الجنة . فالحسنى يصح أن تكون صفة لموصوف محذوف ، ويصح أن تكون مبتدأ مؤخرا ، وخبره « للذين استجابوا لربهم » . « والذين لم يستجيبوا له » - سبحانه - ولم ينقادوا لأمره أو نهيه وهم الكفار « لو أن لهم ما في الأرض جميعا » من أصناف الأموال ، ولهم أيضا « مثله معه لافتدوا به » أي لهان عليهم - مع نفاسته وكثرته - أن يقدموه فداء لأنفسهم من عذاب يوم القيامة . فالضمير في قوله « ومثله معه » يعود إلى ما في الأرض جميعا من أصناف الأموال وفي ذلك ما فيه من تهويل ما يلقونه من عذاب أليم جزاء كفرهم وجحودهم . ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم فقال : « أولئك لهم سوء الحساب » أي : أولئك الذين لم يستجيبوا لربهم لهم الحساب السيئ الذي لا رحمة معه ، ولا تساهل فيه .
هامش
( 1 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 3 ص 85 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 467 | سيد محمد طنطاوي