تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
قال الإمام الرازي : « قوله - تعالى - * ( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى . . . ) * إشارة إلى المثل المتقدم ذكره - في قوله - تعالى - * ( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) * . . . وهو أن العالم بالشيء كالبصير ، والجاهل به كالأعمى ، وليس أحدهما كالآخر ، لأن الأعمى إذا أخذ يمشى من غير قائد ، فربما يقع في المهالك . . . أما البصير فإنه يكون آمنا من الهلاك والإهلاك » « 1 » . والمراد بالأعمى هنا : الكافر الذي انطمست بصيرته ، فأصبح لا يفرق بين الحق والباطل . والاستفهام للإنكار والاستبعاد . المعنى : أفمن يعلم أن ما أنزل إليك - أيها الرسول الكريم - من وحى هو الحق الذي يهدى للتي هي أقوم ، كمن هو أعمى القلب : مطموس البصيرة ؟ ؟ فالآية الكريمة تنفى بأبلغ أسلوب ، مساواة الذين علموا الحق فاتبعوه ، بمن جهلوه وأعرضوا عنه ، وصموا آذانهم عن سماعه . وقوله * ( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبابِ ) * مدح لأصحاب العقول السليمة ، الذين ذكروا بالحق فتذكروه ، وآمنوا به ، وتعليل لإعراض الكافرين عنه ، ببيان أن سبب إعراضهم ، أنهم ليسوا أهلا للتذكر ، لأن التذكر إنما هو من شأن أولى الألباب . والألباب : جمع لب وهو الخالص من كل شيء . أي : إنما يتذكر وينتفع بالتذكير ، أصحاب العقول السليمة وهم المؤمنون الصادقون . ثم مدح - سبحانه - أصحاب هذه العقول السليمة ، بجملة من الخصال الكريمة فقال : * ( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّه ولا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ) * . وعهد اللَّه : فرائضه وأوامره ونواهيه . والوفاء بها : يتأتى باتباع ما أمر به - سبحانه - وباجتناب ما نهى عنه . وينقضون : من النقض ، بمعنى الفسخ والحل لما كان مركبا أو موصولا . والميثاق : العهد الموثق باليمين ، للتقوية والتأكيد . أي : إنما يتذكر أولوا الألباب ، الذين من صفاتهم أنهم يوقنون بعهد اللَّه - تعالى - ، بأن يؤدوا كل ما كلفهم بأدائه ، ويجتنبوا كل ما أمرهم باجتنابه ولا ينقضون شيئا من العهود
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 39 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 469 | سيد محمد طنطاوي