تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
وأم هنا بمعنى بل ، والاستفهام للإنكار . أي : إنهم ما اتخذوا للَّه - تعالى - شركاء يخلقون مثل خلق اللَّه - تعالى - حتى نقول إن ما خلقوه تشابه مع خلقه - تعالى - فنلتمس لهم شيئا من العذر ، ولكنهم اتخذوا معه - سبحانه آلهة أخرى « لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه . . . » . فالجملة الكريمة تنعى عليهم جهلهم . حيث عبدوا من دون اللَّه مخلوقا مثلهم ، وتنفى أي عذر يعتذرون به يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم . وقوله : « كخلقه » في معنى المفعول المطلق . أي : خلقوا خلقا شبيها بما خلقه اللَّه - تعالى - . وجملة « فتشابه » معطوفة على جملة « خلقوا » . ثم أمر - سبحانه - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم للمرة الخامسة بأن يقذفهم بالحق الذي يدفع باطلهم فقال - تعالى - * ( قُلِ اللَّه خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) * . أي : قل لهم - أيها الرسول الكريم - : اللَّه - تعالى - هو الخالق لكل شيء في هذا الكون ، وهو - سبحانه - الواحد الأحد الفرد الصمد ، القهار لكل ما سواه ، والغالب لكل من غالبه . ثم ضرب - سبحانه - مثلين للحق هما الماء الصافي والجوهر النقي اللذان ينتفع بهما ، ومثلين للباطل هما زبد الماء وزبد الجوهر اللذان لا نفع فيهما فقال - تعالى - * ( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ، فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً ) * . والأودية : جمع واد وهو الموضع المتسع الممتد من الأرض الذي يسيل فيه الماء بكثرة . والسيل : الماء الجاري في تلك الأودية . والزبد : هو الغثاء الذي يعلو على وجه الماء عند اشتداد حركته واضطرابه أو ما يعلو القدر عند الغليان ويسمى بالرغوة والوضر والخبث لعدم فائدته ، ورابيا : من الربو بمعنى العلو والارتفاع . والمعنى : أنزل اللَّه - تعالى - من السماء ماء كثيرا ، ومطرا مدرارا ، فسالت أودية بقدرها ، أي : فسالت المياه في الأودية بسبب هذا الإنزال ، بمقدارها الذي حدده اللَّه - تعالى - واقتضته حكمته في نفع الناس . أو بمقدارها قلة وكثرة ، بحسب صغر الأودية وكبرها ، واتساعها وضيقها « فاحتمل السيل زبدا رابيا » أي فحمل الماء السائل في الأودية بكثرة وقوة ، غثاء عاليا مرتفعا فوق الماء طافيا
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 464 | سيد محمد طنطاوي