تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن المجاعة التي حدثت في السبع السنين الشداد شملت مصر وما جاورها من البلاد - كما سبق أن أشرنا - . كما يؤخذ منها أن مصر كانت محط أنظار المعسرين من مختلف البلاد بفضل حسن تدبير يوسف - عليه السلام - وأخذه الأمور بالعدالة والرحمة وسهره على مصالح الناس ، ومراقبته لشؤون بيع الطعام ، وعدم الاعتماد على غيره حتى إن إخوته قد دخلوا عليه وحده ، دون غيره من المسؤولين في مصر . وقوله - سبحانه - * ( ولَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ . . . ) * بيان لما فعله يوسف معهم بعد أن عرفهم دون أن يعرفوه . وأصل الجهاز - بفتح الجيم وكسرها قليل - : ما يحتاج إليه المسافر من زاد ومتاع ، يقال : جهزت المسافر ، أي هيأت له جهازه الذي يحتاج إليه في سفره ، ومنه جهاز العروس وهو ما تزف به إلى زوجها ، وجهاز الميت وهو ما يحتاج إليه في دفنه . . . والمراد : أن يوسف بعد أن دخل عليه إخوته وعرفهم ، أكرم وفادتهم . وعاملهم معاملة طيبة جعلتهم يأنسون إليه ، وهيأ لهم ما هم في حاجة إليه من الطعام وغيره ، ثم استدرجهم بعد ذلك في الكلام حتى عرف منهم على وجه التفصيل أحوالهم . وذلك لأن قوله لهم * ( ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ) * يستلزم أن حديثا متنوعا نشأ بينه وبينهم ، عرف منه يوسف ، أن لهم أخا من أبيهم لم يحضر معهم وإلا فلو كان هذا الطلب منه لهم بعد معرفته لهم مباشرة ، لشعروا بأنه يعرفهم وهو لا يريد ذلك . ومن هنا قال المفسرون : إن قوله * ( ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ) * يقتضى كلاما دار بينه وبينهم نشأ عنه هذا الطلب ، ومما قالوه في توضيح هذا الكلام : ما روى من أنهم بعد أن دخلوا عليه قال لهم : من أنتم وما شأنكم ؟ فقالوا : نحن قوم من أهل الشام ، جئنا نمتار ، ولنا أب شيخ صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب ، فقال لهم : كم عددكم قالوا عشرة ، وقد كنا اثنى عشر ، فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك ، وكان أحبنا إلى أبينا ، وقد سكن بعده إلى أخ له أصغر منه ، هو باق لديه يتسلى به ، فقال لهم حينئذ ائتوني بأخ لكم من أبيكم » « 1 » . ويروى أنه قال لهم ذلك بعد أن طلبوا منه شيئا زائدا عن عددهم ، لأن لهم أخا لم يحضر معهم ، فأعطاهم ما طلبوه ، واشترط عليهم إحضار أخيهم هذا معهم ، ليتأكد من صدقهم » « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 2 ص 37 . ( 2 ) راجع تفسير القرطبي ج 9 ص 231 .