تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
بأهلك - تعنى نفسها - سوءا ، أي ما يسوؤك ويؤلمك ، إلا أن يسجن ، عقوبة له ، أو أن يعذب عذابا أليما عن طريق الضرب أو الجلد ، لتجاوزه الحدود ، واعتدائه على أهلك . وهذه الجملة الكريمة التي حكاها القرآن الكريم عنها ، تدل على أن تلك المرأة كانت في نهاية المكر والدهاء والتحكم في إرادة زوجها . . . ورحم اللَّه الآلوسي فقد علق على قولها هذا الذي حكاه القرآن عنها بقوله ما ملخصه : « ولقد آتت - تلك المرأة - في هذه الحالة التي يدهش فيها الفطن اللوذعي - حيث شاهدها زوجها على تلك الحالة المريبة - بحيلة جمعت فيها غرضيها ، وهما تبرئة ساحتها مما يلوح من ظاهر حالها ، واستنزال يوسف عن رأيه في استعصائه عليها ، وعدم طاعته لها ، بإلقاء الرعب في قلبه . . . ولم تصرح بالاسم ، بل أتت بلفظ عام « من أراد بأهلك سوءا . . » تهويلا للأمر ، ومبالغة في التخويف ، كأن ذلك قانون مطرد في حق كل من أراد بأهله سوءا . وذكرت نفسها بعنوان أهلية العزيز ، إعظاما للخطب . . . ثم إن حبها الشديد ليوسف - عليه السلام - حملها على أن تبدأ بذكر السجن ، وتؤخر ذكر العذاب لأن المحب لا يسعى في إيلام المحبوب ، لا سيما أن قولها : « إلا أن يسجن . . . » قد يكون المراد منه السجن لمدة يوم أو يومين . . . » « 1 » . والحق أن هذه الجملة التي حكاها القرآن عنها ، تدل على اكتمال قدرتها على المكر والدهاء - كما سبق أن أشرنا - ومن مظاهر ذلك ، محاولتها إيهام زوجها بأن يوسف قد اعتدى عليها بما يسوؤها ويسوؤه ، ولكن بدون تصريح بهذا العدوان - شأن العاشق مع معشوقه - حتى لا يسعى زوجها في التخلص منه ببيعه - مثلا - . وفي الوقت نفسه إفهام يوسف عن طريق مباشر ، بأن أمره بيدها لا بيد زوجها ، وأنها هي الآمرة الناهية ، فعليه أن يخضع لما تريده منه ، وإلا فالسجن أو العذاب الأليم هو مصيره المحتوم . وهنا نجد يوسف - عليه السلام - لا يجد مفرا من الرد على هذا الاتهام الباطل ، فيقول - كما حكى القرآن عنه - : * ( قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي . . . ) * .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 12 ص 195 .