تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
في الأرض ، وعن انتهاك الحرمات ؟ . كلا إنهم لم يكن فيهم هؤلاء الرجال الذين ينهون عن الفساد في الأرض ، إلا عددا قليلا منهم أنجيناهم بسبب إيمانهم ونهيهم عن الفساد في الأرض . وفي هذا من التوبيخ لأهل مكة ولكل من تقاعس عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ما فيه ، لأن اللَّه - تعالى - بين أن عذاب الاستئصال الذي حل بالظالمين السابقين ، كان من أسبابه عدم نهيهم عن الفساد في الأرض . قال الشوكاني : والاستثناء في قوله * ( إِلَّا قَلِيلًا . . . ) * منقطع ، أي : لكن قليلا ممن أنجينا منهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض ، وقيل : هو متصل ، لأن في حرف التحضيض معنى النفي ، فكأنه قال : ما كان في القرون أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض ، إلا قليلا ممن أنجينا منهم ، ومن في قوله * ( مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ ) * بيانية ، لأنه لم ينج إلا الناهون » « 1 » . وقال ابن كثير : ولهذا أمر اللَّه - تعالى - هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأولئك هم المفلحون ، وفي الحديث : « إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه ، أوشك اللَّه أن يعمهم بعقاب من عنده » ولهذا قال : * ( فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الأَرْضِ . . . ) * « 2 » . وقوله : * ( واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيه . . . ) * إشارة إلى أن هؤلاء القاعدين عن النهى عن الإفساد في الأرض ، قد استمروا على فجورهم وفسقهم دون أن يلتفتوا إلى خصال الخير ، وإلى سبيل الصلاح . وأترفوا من الترف ومعناه التقلب في نعم اللَّه - تعالى - مع ترك شكره - سبحانه - عليها . والمترف : هو الشخص الذي أبطرته النعمة ، فانغمس في الشهوات والمعاصي ، وأعرض عن الأعمال الصالحة . . . والجملة الكريمة معطوفة على كلام مقدر يقتضيه الكلام ، والمعنى : أن هؤلاء الذين لم يكن فيهم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا من استثنى ، قد استمروا في طغيانهم ، واتبعوا ما أنعموا فيه من الثروة والعيش الهنيء والشهوات العاجلة ، فكفروا النعمة ، واستكبروا وفسقوا عن أمر ربهم ، وكانوا قوما مجرمين ، أي مصرين على ارتكاب الجرائم
هامش
( 1 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 2 ص 534 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 290 .