تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
إليه - سبحانه - وإعلامهم بأن كل شيء خاضع لإرادته ومشيئته فهو الفاعل المختار الذي لا يجب عليه شيء ولا حق لأحد عليه * ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ) * . وليس المقصود من هذا الاستثناء وأمثاله نفى خلودهم في النار لأنه لا يلزم من الاستثناء المعلق على المشيئة وقوع المشيئة ولأنه قد أخبرنا - سبحانه - في كتابه بخلود الكافرين خلودا أبديا في النار . قال - تعالى - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّه لِيَغْفِرَ لَهُمْ ولا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً . إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيراً « 1 » . وشبيه بهذا الاستثناء ما حكاه - سبحانه - عن نبيه شعيب - عليه السلام - في قوله : قالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِه لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَولَوْ كُنَّا كارِهِينَ . قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّه كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّه مِنْها ، وما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه رَبُّنا ، وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً . . . « 2 » . فشعيب - عليه السلام - مع ثقته المطلقة في أنه لن يعود هو وأتباعه إلى ملة الكفر ، نراه يفوض الأمر إلى مشيئة اللَّه تأدبا معه - سبحانه . . فيقول : وما يكون لنا أن نعود فيها - أي ملة الكفر - إلا أن يشاء ربنا شيئا غير ذلك وهذا من الأدب العالي في مخاطبة الأنبياء لخالقهم - عز وجل . وقد ذكر كثير من المفسرين هذا القول ضمن الأقوال في معنى الآية ، وبعضهم اقتصر عليه ولم يذكر سواه ، ومن هذا البعض صاحب المنار ، وصاحب محاسن التأويل . . . أما صاحب المنار فقد قال : قوله * ( إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) * أي : أن هذا الخلود الدائم هو المعد لهم في الآخرة . . . إلا ما شاء ربك من تغيير في هذا النظام في طور آخر ، فهو إنما وضع بمشيئته ، وسيبقى في قبضة مشيئته ، وقد عهد مثل هذا الاستثناء في سياق الأحكام القطعية للدلالة على تقييد تأبيدها بمشيئة اللَّه - تعالى . . . فقط ، لا لإفادة عدم عمومها . . . » « 3 » . وأما صاحب محاسن التأويل فقد قال : فإن قلت : ما معنى الاستثناء بالمشيئة ، وقد ثبت خلود أهل الدارين فيهما من غير استثناء ؟ . فالجواب : أن الاستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن ، للدلالة على الثبوت والاستمرار .
هامش
( 1 ) سورة النساء . الآيتان 168 ، 169 . ( 2 ) راجع تفسيرنا لسورة الأعراف ص 323 . ( 3 ) تفسير المنار ج 12 ص 160 .