أي : جعل - سبحانه - الشمس ضياء ، والقمر نورا ، وقدره منازل ، لتعلموا عدد السنين التي يفيدكم علمها في مصالحكم الدينية والدنيوية ولتعلموا الحساب بالأوقات من الأشهر والأيام لضبط عباداتكم ومعاملاتكم .
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يخبر اللَّه - تعالى - عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته ، وعظيم سلطانه ، أنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء ، وجعل شعاع القمر نورا ، هذا فن وهذا فن آخر ، ففاوت بينهما لئلا يشتبها ، وجعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل ، وقدر القمر منازل ، فأول ما يبدو القمر يكون صغيرا ، ثم يتزايد نوره وجرمه حتى يستوسق ويكمل إبداره ، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حالته الأولى . فبالشمس تعرف الأيام ، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام « . « 1 »
واسم الإشارة في قوله * ( ما خَلَقَ اللَّه ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ) * يعود إلى المذكور من جعل الشمس ضياء والقمر نورا وتقديره منازل .
أي : ما خلق اللَّه ذلك الذي ذكره لكم إلا خلقا ملتبسا بالحق ، ومقترنا بالحكمة البالغة التي تقتضيها مصالحكم .
وقوله : * ( يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) * استئناف مسوق لبيان المنتفعين بهذه الدلائل الدالة على قدرة اللَّه ووحدانيته ورحمته بعباده .
أي : يفصل - سبحانه - ويوضح البراهين الدالة على قدرته لقوم يعلمون الحق ، فيستجيبون له ، ويكثرون من طاعة اللَّه وشكره على ما خلق وأنعم .
ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان قدرته ورحمته فقال : * ( إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ) * طولا وقصرا ، وحرا وبردا ، وتعاقبا دقيقا لا يسبق أحدهما معه الآخر * ( وما خَلَقَ اللَّه فِي السَّماواتِ والأَرْضِ ) * من أنواع الإنس والجن والحيوان والنبات والنجوم وغير ذلك من المخلوقات التي لا تعد ولا تحصى . .
إن في كل ذلك الذي خلقه * ( لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ) * أي : لدلائل عظيمة كثيرة دالة على قدرة اللَّه ورحمته ووحدانيته ، لقوم يتقون اللَّه - تعالى - فيحذرون عقابه ، ويرجون رحمته .
وخص - سبحانه - المتقين بالذكر ، لأنهم هم المنتفعون بنتائج التدبر في هذه الدلائل .
وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد سلك أنجع الوسائل في مخاطبة الفطرة البشرية ، حيث
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 408 .