* ( وما هِيَ ) * أي تلك القرى المهلكة * ( مِنَ الظَّالِمِينَ ) * وهم مشركو مكة * ( بِبَعِيدٍ ) * أي : ببعيدة عنهم ، بل هي قريبة منهم ، ويمرون عليها في أسفارهم إلى الشام .
قال - تعالى - وإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ، وبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ « 1 » .
أي : وإنكم يا أهل مكة لتمرون على هؤلاء القوم المهلكين من قوم لوط في وقت الصباح أي النهار ، وتمرون عليهم بالليل أفلا تعقلون ذلك فتعتبروا وتتعظوا ؟ ؟
ويجوز أن يكون الضمير في قوله * ( وما هِيَ ) * يعود إلى الحجارة التي أهلك اللَّه بها هؤلاء القوم .
أي : وما هي تلك الحجارة الموصوفة بما ذكر من الظالمين ببعيد ، بل هي حاضرة مهيئة بقدرة اللَّه - تعالى - لإهلاك الظالمين بها .
والمراد بالظالمين ما يشمل قوم لوط ، ويشمل كل من عصى اللَّه وتجاوز حدوده ، ولم يتبع ما جاء به الرسول صلى اللَّه عليه وسلم .
وهكذا كانت نهاية قوم لوط ، فقد انطوت صفحتهم كما انطوت من قبلهم صفحات قوم نوح وهود وصالح - عليهم الصلاة والسلام - هذا ومن العبر والأحكام التي نأخذها من هذه الآيات الكريمة ، أنه لا بأس على المسلم من أن يستعين بغيره لنصرة الحق الذي يدعو إليه ، ولخذلان الباطل الذي ينهى عنه .
فلوط - عليه السلام - عندما رأى من قومه الإصرار على غوايتهم ومفاسدهم تمنى لو كانت معه قوة تزجرهم وتردعهم وتمنعهم عن فسادهم .
وقد علق الإمام ابن حزم على ما جاء في الحديث الشريف بشأن لوط - عليه السلام - فقال ما ملخصه :
وظن بعض الفرق أن ما جاء في الحديث الصحيح من قوله صلى اللَّه عليه وسلم « رحم اللَّه لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد » إنما هو من باب الإنكار على لوط - عليه السلام - في قوله * ( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) * .
والحق أنه لا تخالف بين القولين ، بل كلاهما حق ، لأن لوطا - عليه السلام - إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه مما هم عليه من الفواحش . من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين ، وما جهل قط لوط - عليه السلام - أنه يأوى من ربه - تعالى - إلى أمنع قوة ، وأشد ركن .
هامش
( 1 ) سورة الصافات الآيتان 137 - 138 .