أعلى منزلة إلى من هو أدنى منه لإعانته على ما يريده .
والاستثناء هنا مفرغ من أعم الأوقات والأحوال . أي : ما من شفيع يستطيع أن يشفع لغيره في جميع الأوقات والأحوال إلا بعد إذنه - سبحانه - .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَه إِلَّا بِإِذْنِه « 1 » .
وقوله - سبحانه - : وكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّه لِمَنْ يَشاءُ ويَرْضى « 2 » .
واسم الإشارة في قوله - سبحانه - * ( ذلِكُمُ اللَّه رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوه ) * يعود إلى ذات اللَّه - تعالى - الموصوفة بتلك الصفات الجليلة .
أي : ذلكم الموصوف بالخلق والتدبير والتصرف في شؤون خلقه وفق مشيئته ، هو اللَّه ربكم فأخلصوا له العبادة والطاعة ولا تشركوا معه أحدا في ذلك .
ثم ختم - سبحانه - الآية بالأمر بالتذكر فقال : * ( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) * أي : أتعلمون أن اللَّه - تعالى - هو خالقكم وهو القادر على كل شيء ، ومع ذلك تستبعدون أن يكون الرسول بشرا ، فهلا تذكرتم قدرة اللَّه وحكمته حتى تثوبوا إلى رشدكم ، وتتبعوا الحق الذي جاءكم به نبيكم صلى اللَّه عليه وسلم : وإيثار * ( تَذَكَّرُونَ ) * على تفكرون للإيذان بظهور الأمر وأنه كالمعلوم الذي لا يفتقر إلى عمق في التفكير والبحث والتأمل . إذا أن مظاهر قدرة اللَّه وعظمته نراها واضحة جلية في الأنفس والآفاق .
وبذلك نرى الآية الكريمة قد ساقت ألوانا من مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - وبالغ حكمته ، ونفاذ أحكامه حتى يخلص له الناس العبادة والطاعة .
ثم بين - سبحانه - أن مرجع العباد جميعا إليه ، وأنه سيجازى كل إنسان بما يستحق .
فقال - تعالى - * ( إِلَيْه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّه حَقًّا ) * .
أي : إلى اللَّه - تعالى - وحده مرجعكم جميعا بعد الموت ليحاسبكم على أعمالكم ، وقد وعد اللَّه بذلك وعدا صدقا ، ولن يخلف اللَّه وعده .
قال أبو حيان : وانتصب * ( وَعْدَ اللَّه ) * و * ( حَقًّا ) * على أنهما مصدران مؤكدان لمضمون الجملة ، والتقدير وعد اللَّه وعدا ، فلما حذف الناصب أضاف المصدر إلى الفاعل ، وذلك كقوله
هامش
( 1 ) سورة البقرة الآية 255 .
( 2 ) سورة النجم الآية 26 .