تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
1 - أن الداعي إلى اللَّه ، عليه أن يذكر المدعوين بما يستثير مشاعرهم ، ويحقق اطمئنانهم إليه ، ويرغبهم في اتباع الحق ، ببيان أن اتباعهم لهذا الحق سيؤدي إلى زيادة غناهم وقوتهم وأمنهم وسعادتهم . وأن الانحراف عنه سيؤدي إلى فقرهم وضعفهم وهلاكهم . انظر إلى قول هود - عليه السلام - : * ( ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْه ، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ، ويَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ، ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ) * . 2 - وأن الداعي إلى اللَّه - تعالى - عندما يخلص للَّه دعوته ، ويعتمد عليه - سبحانه - في تبليغ رسالته ، ويغار عليها كما يغار على عرضه أو أشد . فإنه في هذه الحالة سيقف في وجه الطغاة المناوئين للحق ، كالطود الأشم ، دون مبالاة بتهديدهم ووعيدهم . . لأنه قد أوى إلى ركن شديد . وهذه العبرة من أبرز العبر في قصة هود عليه السلام . ألا تراه وهو رجل فرد يواجه قوما غلاظا شدادا طغاة ، إذا بطشوا بطشوا جبارين ، يدلون بقوتهم ويقولون في زهو وغرور : من أشد منا قوة . ومع كل ذلك عندما يتطاولون على عقيدته ويراهم قد أصروا على عصيانه . يواجههم بقوله : * ( إِنِّي أُشْهِدُ اللَّه واشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . مِنْ دُونِه فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ . . ) * . أرأيت كيف واجه هود - عليه السلام - هؤلاء الغلاظ الشداد بالحق الذي يؤمن به دون مبالاة بوعيدهم أو تهديدهم . . ؟ وهكذا الإيمان بالحق عندما يختلط بالقلب . . . يجعل الإنسان يجهر به دون أن يخشى أحدا إلا اللَّه - تعالى - . ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم فتحدثت عن قصة صالح - عليه السلام - مع قومه ، فقال - تعالى - [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 61 إلى 68 ] وإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّه ما لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُه هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوه ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْه إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ( 61 ) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْه مُرِيبٍ ( 62 ) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وآتانِي مِنْه رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّه إِنْ عَصَيْتُه فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ( 63 ) ويا قَوْمِ هذِه ناقَةُ اللَّه لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّه ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ ( 64 ) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ( 65 ) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً والَّذِينَ آمَنُوا مَعَه بِرَحْمَةٍ مِنَّا ومِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ( 66 ) وأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ( 67 ) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ ( 68 )
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 230 | سيد محمد طنطاوي