تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
أي : بعد هذا النصح الحكيم الذي وجهه نوح - عليه السلام - لقومه ، رد عليه أغنياؤهم وسادتهم بقولهم * ( ما نَراكَ ) * يا نوح إلا بشرا مثلنا ، أي : إلا إنسانا مثلنا ، ليست فيك مزية تجعلك مختصا بالنبوة دوننا . . . فهم - لجهلهم وغبائهم - توهموا أن النبوة لا تجامع البشرية ، مع أن الحكمة تقتضي أن يكون الرسول بشرا من جنس المرسل إليهم ، حتى تتم فائدة التفاهم معه ، والاقتداء به في أخلاقه وسلوكه . وقد حكى القرآن قولهم هذا في أكثر من موضع ، ومن ذلك قوله - تعالى - وقالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِه الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْه ، ويَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ولَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ . . . « 1 » . ثم إنهم في التعليل لعدم اتباع نبيهم لم يكتفوا بقولهم ما نراك إلا بشر مثلنا : بل أضافوا إلى ذلك قولهم : * ( وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ ) * ومرادهم بقولهم : * ( أَراذِلُنا ) * أي فقراؤنا ومن لا وزن لهم فينا . قال الجمل : ولفظ * ( أَراذِلُنا ) * فيه وجهان : أحدهما أنه جمع الجمع فهو جمع أرذل - بضم الذال - جمع رذل - بسكونها - نحو كلب وأكلب وأكالب . . . ثانيهما : انه جمع مفرد وهو أرذل كأكبر وأكابر . . والأرذل هو المرغوب عنه لرداءته » « 2 » . ومرادهم بقولهم : * ( بادِيَ الرَّأْيِ ) * أي : أوله من البدء . يقال : بدأ يبدأ إذا فعل الشيء أولا وعليه تكون الياء مبدلة من الهمزة لانكسار ما قبلها ويؤيده قراءة أبى عمرو « بادئ الرأي » . أي : وما نراك اتبعك يا نوح إلا الذين هم أقلنا شأنا وأحقرنا حالا من غير أن يتثبتوا من حقيقة أمرك ، ولو تثبتوا وتفكروا ما اتبعوك ويصح أن يكون مرادهم بقولهم * ( بادِيَ الرَّأْيِ ) * أي اتبعوك ظاهرا لا باطنا ، ويكون لفظ * ( بادِيَ ) * من البدو بمعنى الظهور . يقال : بدا الشيء يبدو بدوا وبدوءا وبداء أي ظهر وعليه يكون المعنى : وما نراك اتبعك يا نوح إلا الذين هم أهوننا أمرا ، ومع ذلك فإن اتباعهم لك إنما هو في ظاهر أمرهم ، أما بواطنهم فهي تدين بعقيدتنا .
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون الآية 33 ، 34 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 391 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 191 | سيد محمد طنطاوي