تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
حرف الجر أي : أرسلناه بأنى . أي : أرسلناه متلبسا بذلك الكلام وهو أنى لكم نذير مبين . وقرأ الباقون بالكسر على إرادة القول . أي : أرسلناه قائلا لهم * ( إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) * « 1 » . ونذير من الإنذار وهو إخبار معه تخويف . . ومبين : من الإبانة بمعنى التوضيح والإظهار . . أي : أرسلناه إلى قومه فقال لهم يا قوم : إني لكم محذر تحذيرا واضحا من موجبات العذاب التي تتمثل في عبادتكم لغير اللَّه - تعالى - . واقتصر على الإنذار لأنهم لم يعملوا بما بشرهم به وهو الفوز برضا اللَّه - تعالى - إذا ما أخلصوا له العبادة والطاعة . وجملة * ( أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه ) * بدل من قوله * ( إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) * أي أرسلناه بأن لا تعبدوا إلا اللَّه . وقوله : * ( إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) * جملة تعليلية ، تبين حرص نوح الشديد على مصلحة قومه ومنفعتهم . أي إني أحذركم من عبادة غير اللَّه ، لأن هذه العبادة ستؤدى بكم إلى وقوع العذاب الأليم عليكم ، وما حملني على هذا التحذير الواضح إلا خوفي عليكم ، وشفقتي بكم ، فأنا منكم وأنتم منى بمقتضى القرابة والنسب . ووصف اليوم بالأليم على سبيل المجاز العقلي ، وهو أبلغ من أن يوصف العذاب بالأليم ، لأن شدة العذاب لما بلغت الغاية والنهاية في ذلك ، جعل الوقت الذي تقع فيه وقتا أليما أي مؤلما . ثم حكى - سبحانه - ما رد به قوم نوح عليه فقال : * ( فَقالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِه ، ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا ، وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ ، وما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ ) * . والمراد بالملإ : أصحاب الجاه والغنى من قوم نوح . وهذا اللفظ اسم جمع لا واحد له من لفظه كرهط وهو - كما يقول الآلوسي - : مأخوذ من قولهم فلان ملئ بكذا : إذا كان قادرا عليه . . . أو لأنهم متمالئون أي متظاهرون متعاونون ، أو لأنهم يملؤون القلوب والعيون . . . ووصفهم بالكفر ، لتسجيل ذلك عليهم من أول الأمر زيادة في ذمهم .
هامش
( 1 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 2 ص 493 .