تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
لجحودهم لآياتنا ، وتكذيبهم لرسلنا « إلى أمة معدودة » أي : إلى وقت معين من الزمان على حساب إرادتنا وحكمتنا : « ليقولن » على سبيل التهكم والاستهزاء ، واستعجال العذاب ، « ما يحبسه » أي : ما الذي جعل هذا العذاب الذي حذرنا منه محمد صلى اللَّه عليه وسلم محبوسا عنا ، وغير نازل بنا . . . ولا شك أن قولهم هذا ، يدل على بلوغهم أقصى درجات الجهالة والطغيان ، حيث قابلوا رحمة اللَّه - تعالى - المتمثلة هنا في تأخير العذاب عنهم ، بالاستهزاء والاستعجال ، ولذا رد اللَّه - تعالى - عليهم بقوله : * ( أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ، وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِه يَسْتَهْزِؤُنَ ) * أي : ألا إن ذلك العذاب الذي استعجلوه واستخفوا به ، يوم ينزل بهم ، لن يصرفه عنهم صارف ، ولن يدفعه عنهم دافع ، بل سيحيط بهم من كل جانب ، بسبب استهزائهم به وإعراضهم عمن حذرهم منه . واللام في قوله * ( ولَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ ) * موطئة للقسم ، وجواب القسم قوله « ليقولن ما يحبسه » . والأقرب إلى سياق الآية أن يكون المراد بالعذاب هنا : عذاب الاستئصال الدنيوي ، إذ هو الذي استعجلوا نزوله ، أما عذاب الآخرة فقد كانوا منكرين له أصلا ، كما حكى عنهم - سبحانه - في الآية السابقة في قوله : * ( ولَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) * . قال الآلوسي : والظاهر بأن المراد العذاب الشامل للكفرة ، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : لما نزل اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ قال ناس : إن الساعة قد اقتربت فتناهوا ، فتناهى القوم قليلا ، ثم عادوا إلى أعمالهم السوء : فأنزل اللَّه - تعالى - أَتى أَمْرُ اللَّه فَلا تَسْتَعْجِلُوه فقال أناس من أهل الضلالة : هذا أمر اللَّه - تعالى - قد أتى ، فتناهى القوم ثم عادوا إلى مكرهم مكر السوء ، فأنزل اللَّه هذه الآية » « 1 » . وفي قوله - سبحانه - * ( إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ ) * إيماء إلى أن تأخير العذاب عنهم ليس لمدة طويلة ، لأن ما يحصره العد : جرت العادة في أساليب العرب أن يكون قليلا ، ويؤيد ذلك أنه بعد فترة قليلة من الزمان نزل بهم في غزوة بدر القتل الذي أهلك صناديدهم ، والأسر الذي أذل كبرياءهم . وافتتحت جملة * ( أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ) * بأداة الاستفتاح * ( أَلا ) * للاهتمام
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 12 ص 14 .