تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
المميزين وهم الملائكة والثقلان ، وإنما خصهم بالذكر ليؤذن أن هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه ، فهم عبيد كلهم ، وهو - سبحانه - ربهم ، ولا يصلح أحد منهم للربوبية ، ولا أن يكون شريكا له فيها ، فما وراءهم مما لا يعقل أحق أن لا يكون له ندا وشريكا ، وليدل على أن من اتخذ غيره ربا من ملك أو إنس ، فضلا عن صنم أو غير ذلك ، فهو مبطل تابع لما أدى إليه التقليد وترك النظر » « 1 » . وقوله : * ( وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه شُرَكاءَ ) * . أي : وما يتبع هؤلاء المشركون في عبادتهم لغير اللَّه شركاء في الحقيقة ، وإنما يتبعون أشياء أخرى سموها من عند أنفسهم شركاء جهلا منهم ، لأن اللَّه - تعالى - تنزه وتقدس عن أن يكون له شريك أو شركاء في ملكه أو في عبادته . وعلى هذا التفسير تكون * ( ما ) * في قوله * ( وما يَتَّبِعُ ) * نافية ، وقوله * ( شُرَكاءَ ) * مفعول يتبع ، ومفعول يدعون محذوف لدلالة ما قبله عليه ، أي : وما يتبع الذين يدعون من دون اللَّه آلهة شركاء . ويجوز أن تكون * ( ما ) * استفهامية منصوبة بقوله * ( يَتَّبِعُ ) * ، ويكون قوله * ( شُرَكاءَ ) * منصوب بقوله * ( يَدْعُونَ ) * وعليه يكون المعنى . أي شيء يتبع هؤلاء المشركون في عبادتهم ؟ إنهم يعبدون شركاء سموهم بهذا الاسم من عند أنفسهم ، أما هم في الحقيقة فلا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا . وقوله : * ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) * أي : ما يتبعون في عبادتهم لغير اللَّه إلا الظن الذي لا يغنى عن الحق شيئا ، وإلا الخرص المبنى على الوهم الكاذب ، والتقدير الباطل . وأصل الخرص : الحزر والتقدير للشيء على سبيل الظن لا على سبيل الحقيقة . قال الراغب : وحقيقة ذلك أن كل قول مقول عن ظن وتخمين يقال له خرص ، سواء أكان مطابقا للشيء أم مخالفا له ، من حيث إن صاحبه لم يقله عن علم ولا غلبة ظن ولا سماع ، بل اعتمد فيه على الظن والتخمين كفعل الخارص في خرصه - أي : كفعل من يخرص الثمر على الشجر - وكل من قال قولا على هذا النحو قد يسمى كاذبا وإن كان قوله مطابقا للمقول المخبر عنه .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 244 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 99 | سيد محمد طنطاوي