تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
هذا ، ومن العلماء الذين تكلموا عن نعمة النعاس التي ساقها اللَّه للمؤمنين قبل المعركة ، الإمامان الرازي ومحمد عبده . أما الإمام الرازي فقد قال ما ملخصه : واعلم أن كل نوم ونعاس لا يحصل إلا من قبل اللَّه - تعالى - فتخصيص هذا النعاس بأنه من اللَّه لا بد فيه من مزيد فائدة ، وذكروا في ذلك وجوها : منها : أن الخانف إذا خاف من عدوه فإنه لا يأخذه النوم ، وإذا نام الخائفون أمنوا . فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد ، يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن . ومنها : أنهم ما ناموا نوما غرقا يتمكن معه العدو من معافصتهم ، بل كان ذلك نعاسا يزول معه الإعياء والكلال ، ولو قصدهم العدو في هذه الحالة لعرفوا وصوله ، ولقدروا على دفعه . ومنها : أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم ، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة . فلهذا السبب قيل : إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز « 1 » . وقال الإمام محمد عبده : لقد مضت سنة اللَّه في الخلق ، بأن من يتوقع في صبيحة ليلته هولا كبيرا ، ومصابا عظيما ، فإنه يتجافى جنبه عن مضجعه فيصبح خاملا ضعيفا . وقد كان المسلمون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك ، إذ بلغهم أن جيشا يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدا فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرق والسهاد . . ولكن اللَّه رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس : غشيهم فناموا ، واثقين باللَّه ، مطمئنين لوعده ، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه . . فالنعاس لم يكن يوم بدر في وقت الحرب بل قبلها » « 2 » . وبذلك نرى أن النعاس الذي أنزله اللَّه تعالى - على المؤمنين قبل لقائهم بأعدائهم في بدر كان نعمة عظيمة ومنة جليلة . وقوله - تعالى - : * ( ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِه ) * معطوف على قوله * ( يُغَشِّيكُمُ ) * وهو - أي : إنزال الماء من السماء نعمة عظمى تحمل في طياتها نعما وسننا . أولها : يتجلى في هذه الجملة الكريمة ، أنه - سبحانه - أنزل على المؤمنين المطر من السماء ليطهرهم به من الحدثين : الأصغر والأكبر ، فإن المؤمن - كما يقول الإمام الرازي - « يكاد
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 132 . ( 2 ) تفسير المنار ج 4 ص 185 .