تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
قال صاحب الإنصاف : لا شيء أبلغ من الرد عليهم بهذا الوجه ، لأنه في الأول إطماع لهم بالموافقة ثم كر على طمعهم بالحسم ، وأعقبهم في تنقصه باليأس ، منه ، ولا شيء أقطع من الإطماع ثم اليأس يتلوه ويعقبه « 1 » . وقوله : * ( يُؤْمِنُ بِاللَّه ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ، ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ) * تفسير وتوضيح لكونه صلى اللَّه عليه وسلم أذن خير لهم لا أذن شر عليهم . أي : أن من مظاهر كونه صلى اللَّه عليه وسلم أذن خير ، أنه « يؤمن باللَّه » إيمانا حقا لا يحوم حوله شيء من الرياء ، أو الخداع أو غيرهما من ألوان السوء « ويؤمن للمؤمنين » أي : يصدقهم فيما يقولونه من أقوال توافق الشرع لأنهم أصحابه الذين أطاعوه ، واتبعوا النور الذي أنزل معه ، فهم أهل للتصديق والقبول . دون غيرهم من المنافقين والفاسقين . قال الفخر الرازي : فإن قيل لما ذا عدى الإيمان إلى اللَّه بالباء ، وإلى المؤمنين باللام ؟ قلنا : لأن الإيمان المعدى إلى اللَّه المراد منه التصديق الذي هو نقيض الكفر فعدى بالباء . والإيمان المعدى إلى المؤمنين المراد منه الاستماع منهم ، والتسليم لقولهم فعدى باللام ، كما في قوله وما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا . أي بمصدق لنا . وقوله : أَنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ وقوله : قالَ آمَنْتُمْ لَه قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ « 2 » . وقوله : * ( ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ) * معطوف على قوله : * ( أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ) * . أي : أن هذا الرسول الكريم بجانب أنه أذن خير لكم هو رحمة للذين آمنوا منكم - أيها المنافقون - إيمانا صحيحا ، لأنه عن طريق إرشاده لهم إلى الخير ، واتباعهم لهذا الإرشاد يصلون إلى ما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم . وعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا من المنافقين : أولئك الذين صدقوا في إيمانهم ، وأخلصوا للَّه قلوبهم ، وتركوا النفاق والرياء . أو أن المراد بالذين آمنوا منهم : أولئك الذين أظهروا الإيمان ، فيكون المعنى : أن هذا الرسول الكريم رحمة للذين أظهروا الإيمان منكم - أيها المنافقون - حيث إنه صلى اللَّه عليه وسلم عاملهم بحسب الظاهر ، دون أن يكشف أسرارهم ، أو يهتك أستارهم لأن الحكمة تقتضي ذلك . وعلى هذا المعنى سار صاحب الكشاف فقد قال : وهو رحمة لمن آمن منكم ، أي : أظهر
هامش
( 1 ) حاشية الكشاف لابن المنبر ج 2 ص 19 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 465 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 334 | سيد محمد طنطاوي